مواضع الفصل والوصل
بقلم : محمد حكيم
علم المعاني هو أحد فروع علم البلاغة الثلاثة، وهو يختلف عن الفرعين الآخرين ( البيان والبديع ) فعلم البيان كما نعلم هو العلم الذي يبحث فى معرفة إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة مع وضوح دلالتها، ومجال البحث فيه يختص بالخيال كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز ( المرسل ).
وعلم البديع هو الذي يعرف به وجوه تحسين الكلام، وهو يبحث فى المحسنات اللفظية والمعنوية كالجناس والمشاكلة وحسن التقسيم والسجع وتوكيد الذم بما يشبه المدح وعكسه.. إلخ
أما علم المعاني فهو لب علم البلاغة ولا غنى للباحث عنه، ولا تكتمل ثقافة الدارس إلا بالإلمام به، ولا يطلق على الباحث باحثا أو على المتخصص متخصصا إلا إذا تبحر فيه وأتقن نكاته ومسائله، فهو العلم الذي يبحث فى أحوال مطابقة الكلام لمقتضى الحال عند المخاطبين به، وهو ينظر إلى الكلام ككل مترابط غير منفصل عن بعضه، وهذا هو لب البلاغة، فلكل مقام مقال كما قالوا، ومن أبوابه التى يبحث فيها ، الإسناد وما يتعلق به ، الخبر، الإنشاء، الإيجاز، الحذف، القصر ، الاطناب، الفصل والوصل.. إلخ.
ويعد الإمام عبدالقاهر الجرجاني هو أول من أخرج مؤلفا فى علم المعاني اعتمادا على البحث في القرآن الكريم والشعر والتراث النثري العربي، وقد اخترت كتابة مقالة اليوم عن توضيح ما يتعلق بمسألة الوصل والفصل:
أولا الوصل
هو عطف جملة على أخرى بالواو ( لأن الواو هو الحرف الوحيد الذي قد يقع في الكلام لبس اذا عطفت به ) أما بقية حروف العطف فلا تدخل فى باب الوصل، ويجب الوصل بين الجملتين بالواو إذا اتفقت الجملتان خبرا أو إنشاء ( راجع باب الخبر والإنشاء ) وكانت بينهما مناسبة تقتضي الجمع بينهما بالواو وترك العطف يؤدي إلى فساد هذا الجمع.
انظر الى قوله تعالى ” فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا ” تجد أن الجملتين ( فليضحكوا – وليبكوا ) بينهما مناسبة فى المعنى، و قد اتفقتا فى أن كلا منهما إنشاء ، وترك العطف بالواو هنا يؤدي إلى التفريق بينهما فى المناسبة، كذلك انظر إلى قول الشاعر :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
فقد اتفقت جملتا ( نظر ، وأسمعت ) فى أن كلا منهما خبر وبينهما مناسبة شديدة فى المعنى ولو ترك العطف بالواو لفسد المعنى التناسبي بين الجملتين، لذا وجب العطف بالواو.
– ” سأل أبو بكر الصديق رجلا عن ثوب فقال له أبو بكر : أتبيع هذا الثوب؟ فرد عليه الرجل : لا ،يرحمك الله فقال له أبوبكر قل” لا ويرحمك الله ” لأن ترك الواو يؤدي إلى فهم خلاف ما يقصده المتكلم، كأن تسأل رجلا زار مريضا : هل شفي من مرضه؟ فيرد عليك : لا ، شفاه الله، فيلزم العطف بالواو لئلا يفهم خلاف ما قصده المتكلم، وهذه هي المسألة الثانية من وجوب الوصل بواو العطف،ونستخلص مما سبق أنه إذا تتابعت جملتان فيجب الوصل بينهما بالواو فى موضعين
– الأول ، إذا اتفقتا خبرا أو إنشاء وكان بينهما مناسبة تفسد مع ترك العطف بالواو
– الثاني ، إذا خيف اللبس فى الفهم وخلاف المقصود مع ترك العطف.
ثانيا الفصل بين الجملتين
الفصل : هو ترك العطف بالواو وتتابع الجمل دونها
مواضع الفصل
يجب الفصل في خمسة مواضع :
- الموضع الأول :
أن يكون بين الجملتين اتحاد تام وهو ما يطلق عليه أهل البلاغة ( كمال الاتصال ) وهذا الكمال الاتصالي يتحقق فى مواضع منها :
– أن تكون الثانية -بدلا من الأولى:
نحو ” أمَدَّكُمْ بِمًا تَعْلَمُونَ ، أمَدَّكُمْ بِأنْعَامٍ و بَنِينَ ”
– أو بأن تكون بيانا لها :
نحو ” فَوَسْوَسَ إليْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ”
-أو بأن تكون مؤكدة لها :
نحو ” فَمَهِّلِ الكَافِرينَ أمْهِلْهُمْ رُوَيْدا ”
- الموضع الثاني:
أن يكون بين الجملتين تباين تام ، وهو ما يطلق عليه ( كمال الإنقطاع ) ويتحقق هذا الانقطاع فى مواضع منها
أن تختلفا خبرا و إنشاء ، كقوله :
لا تسأل المرء عن خلائقه
في وجهه شاهد من الخبر
فأنت تجد أن جملة ” لا تسأل ” إنشائية، في حين أن جملة ” فى وجهه شاهد ” خبرية
وكقول الأخر :
وقال رائدهم أرسوا نزاولها
فحتف كل امرئ يجري بمقدار
– أن لا يكون بينهما مناسبة في المعنى كقولك : الولد مجتهد ، الكتاب نظيف، فلا مناسبة بين اجتهاد الولد ونظافة الكتاب لذا وجب الفصل بينهما بعدم العطف.
- الموضع الثالث :
كون الجملة الثانية جوابا عن سؤال نشأ من الجملة الأولى ، ويطلق عليه ( شبه كمال الاتصال )
كقوله تعالى : ” وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ”
- الموضع الرابع:
أن تُسْبق جُملةٌ بجملتين يصح عطفها على إحداهما لوجود المناسبة ، ويطلق عليه شبه كمال الإنقطاع،وفي عطفها على الأخرى فساد فيترك العطف دفعا للوهم كما فى البيت الذي بين أيدينا
وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلاً
أراها في الضلال تهيم
فجملة ( أراها ) يصح عطفها على جملة ( تظن ) لكن يمنع من هذا توهم العطف على جملة ( أبغي بها )
فتكون الجملة الثالثة من مظنونات سلمى مع أنه ليس مرادًا
- الموضع الخامس:
أن لا يقصد تشريك الجملتين في الحكم لقيام مانع ، ويطلق عليه التوسط بين الكمالين كقوله تعالى : “وإذا خَلَوْا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ” فجملة ( الله يستهزئ بهم ) لا يصح عطفها على جملة ( إنا معكم ) لاقتضائه أنه من مقولهم ، ولا على جملة ( قالوا )لاقتضائه أن استهزاء الله تعالى بهم مقيد بحال خلوِّهم إلى شياطينهم.
ونستخلص مما سبق أن الفصل يجب إذا كان بين الجملتين:
– كمال الاتصال
– كمال الإنقطاع
– شبه كمال الاتصال
– شبه كمال الانقطاع
– التوسط بين الكمالين
ولكل ضابطه وفهمه


