نادية طاهر تكتب : اليتيم المقهور

اليتم في اللغة؛ هو الانفراد. فمن فقد أباه في الناس فهو يتيم، ولا يقال لمن فقد أمه يتيم؛ بل منقطع أما من فقد أباه وأمه معاً؛ فهو (لطيم). وهذا التدرج في وصف الانفراد الذي هو اليتم؛ من أجل دلائل البلاغة في اللغة العربية؛ التي لا تجاريها فيها أي لغة أخرى. لأن لفظ (يتيم)؛ أخف وقعا على السمع من لفظ (منقطع)، لأنه يعبر عن حالة اخف من اخرى؛ كما ان (يتيم ومنقطع) أخف من (لطيم)؛ فماذا يعني (الانقطاع واللطم) إذن..؟
الانقطاع هو الانقسام والانفصال والفرقة. ولاشك ان من فقد أمه؛ فإن بؤسه اشد من فقده لوالده؛ ذلك ان دور الام؛ يفوق دور الأب في الحضانة والرعاية، وهذا يفسره قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (.. أمك ثم أمك ثم أمك؛ ثم أبوك).
أما (اللطم)؛ فهو ضرب الخد والوجه حتى تتضح الحمرة، وفي هذا تعبير عن الحسرة واليأس وعمق الجراح، نتيجة فقد الأب والأم معا. وهذه حالة اعظم من اليتم بفقد الأب؛ والانقطاع بفقد الأم.
إن الولد لا يدعى يتيما بعد بلوغه ومقدرته على الاعتماد على نفسه، اما الجارية فهي يتيمة حتى يبنى بها أى تتزوج .
قال تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) ( في القرآن الكريم في (23) مرة بلفظ؛ (اليتم واليتيم واليتيمة والأيتام واليتامى أما قوله تعالى:” فأما اليتيم فلا تقهر” هى لغتان بمعنى .. الأولى أي لاتسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، . وخص اليتيم لأنه لاناصر له غير الله تعالى، فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه.
والعرب تعاقب الكاف والقاف.:.
الثانية: ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره والإحسان إليه، حتى قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. وروي عن أبي هريرة: ” أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: (إن أردت أن يلين، فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين) ” .
وفي الصحيح عن أبي هريرة: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالأنا وكافل اليتيم له او لغيره كهاتين) . وأشار بالسبابة والوسطى ” .
و” من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي، من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب، فتقول الملائكة ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي، اشهدوا أن من أسكته وأرضاه؟ أن أرضيه يوم القيامة) . فكان ابن عمر إذا رأي يتيماً مسح برأسه، وأعطاه شيئاً.” و” عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ضم يتيماً فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجاباً من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة) ” .
يقول الله سبحانه وتعالى َأرأيت الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين* ـأى الكافر الذي يكذب بالقيامة وبالآخرة وبالحساب .. إن أردت أن تعرفه ـ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ*وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) إنه ذو القلب القاسي الذي يعامل اليتيم بعنف، يدفعه بعنف،ويأكل حقه ويشعره بالحسرة والألم ولا يشعر أن هذا إنسان حساس، اليتيم بوضعه حساس في نظرة الناس إليه.
ولذلك ينبغي أن يعامل برفق، لا يُقهر ولا يُدع، ولا يُكلم بسوء، هذا ما يريده الإسلام، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين” وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى.
أي أن كافل اليتيم أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا ظهر في البلاد الإسلامية في هذه السنين مؤسسات وجمعيات خيرية ترعى اليتامى وتدعو الناس إلى كفالة اليتامى .
أو نحو ذلك، وتكفل يتيماً وتكون جاراً أو قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كافل اليتيم حتى الأم التي تكفل أيتامها، جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أنا أول من يفتح له باب الجنة ـ أول من يدخل الجنة محمد صلى الله عليه وسلم ـ فأجد امرأة تبادرني ـ تسابقني كأنها تريد أن تدخل معي ـ فأقول لها: يا هذه من أنت؟ فتقول: أنا امرأة آمت على أولادها حتى بلغوا، أي تأيمت تركت الزواج وعاشت لأولادها حتى بلغ الأولاد مبلغهم، بلغوا مبلغ الرجال فهي تزاحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون أول من يدخل الجنة معه
خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُساء إليه، ينبغي أن نرعى اليتامى، ونرعى شخصيتهم فلا نذلها ولا نقهرها، إن إضاعة اليتامى معناه أننا أضعنا المجتمع، هؤلاء إذا ضاعوا وأهملوا وقُسي عليهم سيكونون مدمرين في المستقبل، سينتقمون من هذا المجتمع الذي لم يؤد لهم حقاً ولم يرع لهم حرمة، المجتمع حين يوفر العناية لليتامى، إنما يُعنى بنفسه بمستقبله، بأمانه باستقراره


