رأي وفكر

أنين القلم .. والانكسار الحزين

محمد حسني عبدالباقيبقلم – محمد حسنى عبدالباقي

منذ ما يقارب التسعة عشر عاما … جاء الى الدنيا وليدا بريئا رأت امه فى عينيه حلم كبير لم تستطع تفسيره، وكلما تفتحت عينيه اكثر تزداد ملامح ان هناك حلم، فاحتارت الام فمازال صغيرها صغيرا فلا تستطع ان تسأله بماذا تحلم فيجيب، ويوم بعد يوم يكبر الابن محاولا ان يهزم الزمن الذى يبعده عن حلمه، بدأ يمشى على يديه ثم محاولة المشى على قدميه فيتعثر ويسقط حتى استطاع ان يمشى على قدميه، بدأ ينطق اسمى ابويه وبعد ان كانت كلماته متلعثمة بدأت تدرك معنى الوضوح، وكلما كبر الوليد كانت الام ترى فى عينيه نفس الحلم الكبير الغامض.

وبعد مرور سنوات …

كبر الوليد وملامح الحلم فى عينيه اصبحت اكثر وضوحا، فجاءت تلك اللحظه التى فيها ستتوارى طلاسم الحيرة التى تعيشها الام، وفسر الابن لأمه حيرتها وانه يريد ان يصبح مهندسا كبيرا، فنظرت اليه الام نظره عميقة وكأنها تستغرق وقتا فى اقتسام شئ ما، وبعد تلك نظرة العمق تحدثت الام لابنها الذى مازل فى نظرها وليدها الذى طالما شجعته على الوقوف على قدميه ولكن هذه المره تشجعه بأنها ستقتسم معه هذا الحلم، وصار للحلم صاحبين، واخيرا تحقق اول طريق الحلم، وهاهى جامعة القاهرة تفتح زراعيها لذلك الوليد الذى اصبح الان كبيرا ويستطيع تفسير احلامه بل وتحقيقها والتحق بكلية الهندسة، وهاهى سنوات تفصله عن اكتمال حلمه، وبينما هو يفكر وينظر الى الامام كيف سيكون شكل الحلم بعد اكتماله بعد سنوات، فجأة سكت الحلم، فجأة مات الامل، فجأة صرخت الام وهى فى منزلها وكأنها شعرت بأن ابنها فى خطر، وصدقت ظنون الام ففجأة مات من كان بالامس وليدا وكذبت الظنون التى كانت تقول ان فى جامعة القاهره مستقبله فكانت جامعة القاهرة مقبرته، وبعد ان صرخت الام فجأة وكأن قلبها حدثها بما حدث حاولت ان تصمت وان تقاوم ذلك الاحساس، وفى لحظات صمتها تكلم الباب فهناك من يطرقه فسقط قلبها منها ارضا وسبقها ليرى من الطارق، فوجدت الام وليدها ليس مهندسا كما حلم وحلمت انما وجدته محمولا على الاعناق فى كفن.

  كذبت الظنون ومات الوليد…

 وعندما رأيت لحظات خروج روحه لا اعلم لماذا تملكنى احساس انه ليس من الخونة الذين ارادوا بهذه البلاد الخراب والدمار، ليس ممن يستبدلون كلمة “مصر” بما يسمى مرسى فى نشيدنا الوطنى، وصدق احساسى واثبتت الايام انه لا ينتمى الى اى تيار سياسى، مات محمد رضا طالب الهندسة، ولا اعلم يقينا من اطلق عليه الرصاص  ولكن ما اعلمه ان ما يحدث فى الجامعات كانت الاجهزة الامنية تستطيع تخفيف احداثه، ولكنى ارى تواطؤ وكأنهم يريدون استمرار موجه العنف ليتم قمع مبادئ ثورية، كان باستطاعتهم تحديد محرضى العنف والقبض عليهم وهم فى بيوتهم ولكنهم اختاروا طريق المواجهة الامنية مباشرة مع انهم يعلمون ان ذلك قد يستفذ طلابا آخرين لا علاقه لهم بالامر، اختاروا ذلك الطريق عن عمد وتركوا قيادات لا مركزيه  طلابية وغير طلابية من تنظيم الاخوان فى القرى والمراكز والمدن الجامعية ينعمون بالحرية الى الآن فلماذا يتم تركهم؟ ولماذا كان التاخير فى اعتبار التنظيم هو الارهاب بعينه؟! ،مات الوليد بين موجة ثورية عاتية قامت بالاساس فى 30 يونيو من اجل القصاص العادل وبين نظام آتى من اجل تحقيق ذلك  لكنه اراد ويريد ارجاع الامور الى ما كانت عليه فى الماضى،وهنا سمعت صوت مرآتى تسألنى: ألم تقل من قبل ان شرعية اى نظام تسقط بداخلك بمجرد سقوط نقطة دم بريئة ولم يهتز لها اركانه واقتص لها؟! فأجبتها :ان شرعية منصور سقطت بالفعل بداخلى، وكلما اراد قلمى اعلان ذلك يؤجل ذلك ما يقوم به الارهاب من اقتناص ارواح جديدة، فالدولة بالفعل فى حرب ضروس مع هؤلاء، واعلانى عن سقوط النظام من داخلى حتى ولو كان مجرد اعلان من قلم فذلك يخدم تنظيم دولى يريد النيل من الوطن، ولكن ايضا اسقاط الارهاب لن يتم فقط بالمواجهة الامنية او باعلام آفاق يغير مواقفه كما يغير ملابسه، انما السلاح الحقيقى لاسقاطه هو السعى الى بناء نظام قائم على اقتناعه بحق القصاص والعدالة الاجتماعية ،وقتها النجاح سيهزم الفشل ويكون ذلك سندا قويا للمواجهات الامنية ،نظام يصل الى البسطاء ولا يتركهم لقمة سائغة فى فم تجار الدم والدين وليس نظام يستغل الظهير الشعبى الذى يدعمه فى محاربة الارهاب فى قتل مبادئ واهداف ثورية ،فهنا من يريد ان يقتل حق التظاهر السلمى بقانون جائر وعلى جانب آخر يصنع بطلا شعبيا من وزير داخليه مرسى الذى قال يوما انه ليس هناك ما يثبت وجود مرسى فى وادى النطرون فى الوقت الذى يقدم فيه للمحاكمة احمد دومة الذى قال يوما علنا ان مرسى قاتل وهارب من العدالة، فابتسمت مرآتى وكأنها سعيدة  باجابتى واننى سأظهر وكأنى محايدا، فكما طالبت برحيل مرسى بعد سقوط شرعيته بسقوط الدماء، ها انا اطالب برحيل منصور _الذى سقط بالفعل من داخلى_ فلا هو ولا رئيس وزرائه فكرا يوما فيما جاءا من اجله وقاما بوضع قواعد راسخة لتطبيق العداله الانتقالية ،فلابد من تعديل خارطة المستقبل وان يتم اجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معا بعد اقرار الشعب للدستور حتى تنتهى المرحله الانتقالية بانتخاب رئيس يكون اول مسئوليته هو العدالة الانتقالية والقصاص.

وفجأة توقف قلمى …

 توقف قلمى وسمعت صوت انينه كصوت الانين التى تحدثه الورقة عند انتزاعها من الكتاب وكأنه انين الفراق، فقلمى اسمع انينه عندما تفارق كلماته انين واوجاع الوطن، وسألته: اى انين للوطن جعلك تتوقف؟!! وقبل ان يجيبنى سمعت صوت انفجار كبير هز اركان البلاد من شمالها الى جنوبها من شرقها الى غربها، فنظرت الى مرآتى فرأيتها منكسرة حزينة، فهرولت فى اتجاه نافدتى حتى ارى ماذا حدث فلم اجد شيئا، ولكنى رأيت هناك بعيدا ارواح ترتدى الابيض تُزف الى السماء شهداء وعلمت انهم شهداء حادث المنصورة الغادر، انهم رجال كانوا يلبسون منذ قليل ملابس ذات الوان داكنة تحولوا الى شهداء بملابس بيضاء، قد نقابل هذه الارواح يوما وعندما ندقق النظر فيها قد نكتشف انه ليس اللقاء الاول فقد نكون رأيناها يوما فى شارع او محطة مترو او فى كمين للشرطة،قد نكتشف اننا رأينا من قبل عيون ذلك المجند الذى كان يحلم بحلم اقل من العادى ان ينهى خدمته حتى يستطيع ان يساعد ابويه فى تحمل مصاعب الحياة، دماء هؤلاء الشهداء ستكون بداية النهاية لقاتليهم، ويوما بعد يوم يثبت اننا كنا على حق عندماء خرجنا لاسقاط من اسقطناه.

ايها الشهيد عندما فكرنا ان نضغط على صدرك ظناً منا اننا قد نستطيع الحاقك مرة آخرى بقطار الحياة كنا واهمين فلم ندرك انك اخترت اللحاق بقطار آخر رأيت فيه ان المجد لمصر واستقلال قرارها الوطنى اغلى من حياتك نفسها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى