أخبار عاجلةرأي وفكر

الدستور .. وقراءة العالم بالمقلوب (2من2) .. جريمة يعاقب عليها القانون ويفضحها التاريخ !

عاطف عبد الغنيبقلم عاطف عبد الغني

تعاملت مع مشروع الدستور الذى انتهت من إنجازه لجنة الخمسين كما لو أننى محكّم فى رسالة ماجستير أو دكتوراه، وقلت لنفسى إن جهد الباحث لا يجب أن يثنينى عن نقد مشروعه البحثى، والظرف التاريخى الصعب والحساس الذى يمر به وطنى لا ينبغى أن يصرفنى إلى منح الدستور شيك على بياض لأن هذا الظرف سوف يتغير بمشيئة الله وجهد المخلصين طال أو قصر الأمد، أما الدستور فباق وممتد عمله وتأثيره بعد تفسيره وتفعيل مواده فى التغيير المنشود ليس فقط على المستوى السياسى ولكن أيضًا على مستوى التغيير الاجتماعى والثقافى الذى يتماشى بشكل كبير مع السياسة – من وجهة نظرى – وترتب وتؤسس أقصد تلك المواد التى تشمل عليها أبواب المقومات الثقافية والحقوق والحريات والواجبات العامة لتغيرات سياسية مطلوبة فى المستقبل وهذا هو الأهم من وجهة نظرى. (1)
الملاحظة الأولى – التى دونتها فى أوراقى النقدية على مواد الدستور – أن هناك استطردا وتفصيلات وشروح فى بعض المواد والمثال على ذلك المواد أرقام (19، 20، 21، 22) ويمكن أن نضم إليها المادة (23) الخاصة بالبحث العلمى ثم نعود إلى المواد (23، 24، 25) المكملة للتعليم ومحو الأمية،وعن هذا الاستطراد والتفصيلات الزائدة كتبت: «كان يمكن إجمال هذه المواد فى مادة أو مادتين تكون إحداهما خاصة بالتعليم والأخرى بالبحث العلمى».
وأضفت فى تعليقى أن 7 مواد تتحدث بإسهاب عن التعليم والبحث العلمى هى انعكاس لإدراك واضعى الدستور لرغبة المجتمع العارمة فى تحسين العملية التعليمية وإدراكه (المجتمع) بعد الثورة خاصة لأهميته، وأن الإهمال الذى طال التعليم كان أحد أهم الأسباب لحالة التخلف التى وصلنا إليها.
وفى الحقيقة لم يكن ما سبق هو العذر الوحيد الذى يمكن أن نلتمسه لمأخذ التطويل والإسهاب والشروح الزائدة لمشروع الدستور الحالى هذا الأمر الذى تكرر مع مواد أخرى منها مثلًا تلك الخاصة بالآثار وبالاقتصاد والأنشطة الاقتصادية، فهذا العيب موروث من الدستور المعطل (دستور 2012) الذى تميز بهذا الكرم اللفظى، لكن تبقى هذه الملحوظة شكلية لم يتوقف عندها كثيرون.
(2)
والذى توقف عنده كثيرون أو هكذا أوحت إلينا وسائل الإعلام بأطيافها المختلفة هى المواد الخاصة بالجيش والمحاكمات العسكرية والتى تعامل معها وحاول استغلالها نفر من كلا المعسكرين المتضادين، الليبراليون والإسلاميون، وإذا كان الشائع والمفهوم هو رفض النفر المنتمى للتيار الإسلامى (أقصد تحديدا الإخوان) لمشروع الدستور الحالى فإنه من غير الشائع وغير الواضح رفض النفر الليبرالى لهذا الأمر، وهنا أرجو منك عزيزى القارئ ألا تتوقف عند مايردده هذا النفر من شعارات باتت مفضوحة ومستهلكة عن دولة العسكر التى هى ضد الدولة المدنية لأن المسألة أعمق وأخطر من مجرد شعار، وهى أعمق لأنها تحتاج لتفسيرات تتعلق برؤية الغرب لدور الجيوش العربية ودور قادتها فى مستقبل الدول التى يراد سوقها إلى حظيرة الغرب الرأسمالى، وهى أخطر لأنها تؤسس للوقيعة بين الشعوب وجيوشها، وإذا كنت حضرتك ممن يرفضون هذا الكلام فأنا أدعوك لأن تنطر ببصرك إلى إسرائيل التى اشتهرت بعسكرة الدولة ، وأن تسأل نفسك لماذا لم يوجه الغرب انتقاداته لها وأكثر قياداتها التاريخية قادمة من المؤسسة العسكرية وفى حرب أكتوبر وحرب حزب الله وهما المواجهتين اللتين انهزمت فيهما إسرائيل وضعوا الطين على رأس جولدا مائير وليبرمان وكانا كليهما يشغل منصب رئيس الحكومة أثناء هذين الحربين وهما لم يخرجا من صفوف المؤسسة العسكرية.
وحتى لا تفهمنى خطأ، أنا لا أدعو لعسكرة الدولة المصرية حتى ولو كانت إسرائيل على حدودنا باقية فى حالة استنفار إلى ما شاء الله، ولكننى أدعو للتعامل مع المؤسسة العسكرية تعاملنا مع باقى مؤسسات الدولة – بدون هستيريا – وأن نفهم أن من حق من يخلع الزى العسكرى وينخرط فى العمل السياسى أن يعد شخصا مدنيا يتم التعامل معه على هذا الأساس فإذا ما قبله الشعب فى انتخابات حُرة نزيهة فليس معنى هذا أن الدولة تحولت إلى «حكم العسكر» ولا يمكن أن نطلق هذه التسمية على الدولة المصرية التى تأسست بعد ثورة يوليو 1952 حتى ولو اختلفنا مع قياداتها التى توالت على الحكم، عبدالناصر والسادات ومبارك.. والأخير تحديدًا وما اكتنف نظامه من فساد كان لديه عقيدة تدفعه للاستعانة بأفراد من المؤسسة العسكرية فى الإدارة إذا أراد ضبط أداء إحدى المؤسسات أو الهيئات العامة، وعلى اعتبار أن أفراد المؤسسة العسكرية تربوا على الانضباط وأن هذا ما كان ينقص المؤسسات المدنية، وهذه رؤية – من وجهة نظرى – على إطلاقها فيها قصور .
والليبراليون الذين يحاكمون تجربة دولة ما بعد ثورة 1952 يغمضون أعينهم عن تجربة الحكم قبل هذا التاريخ الأخير، خلال الحقبة التى يطلق عليها العصر الذهبى لليبرالية، والتى تقع فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، هذا العصر الذهبى الذى أنتج كارثة ضياع فلسطين وسبقها تقسيم الغرب للأمة العربية فى سايكس بيكو ، وفى الداخل المصرى سيطر الأجانب على الاقتصاد وعلى الإعلام واحتكروا تجارات وصناعات حيوية واتخذوا من المصريين خدمًا وأجراء فى بيوتهم ومزارعهم يعيشون ويلدون خدما وأجراء.. كان يحدث هذا ليس فقط بسبب الاحتلال ولكن أيضًا فى ظل دعايات السادة الليبراليين المبهورين بالسيد الأبيض وثقافته التى لم يستلهمها وينصاع لها الأجلاف من عموم المصريين الذين سكنوا القرى والنجوع وأحياء الخدم المتاخمة لأحياء الأجانب وطبقة الباشوات التى سكنت الزمالك وهليوبوليس وزيزينيا وبعض الأماكن فى مدن القناة وغيرها من المدن الرئيسية فى مصر.. هل تقبلون يا سادة أن نطلق على هذه المرحلة الذهبية لليبرالية مرحلة الخيانة الوطنية ونحاكمكم بنفس منطقكم الذى تحاكمون به حقبة ما بعد ثورة 1952؟! أم ترون خطايا الليبرالية اجتهادات نخبوية لا يرقى العامة من أمثالنا إلى مجرد مناقشتها؟!
(3)
نحن لم نجلس بهدوء لنحاكم ماضينا ونؤسس على الحكم مستقبلنا.. جاء الإخوان يرون كل هذا الماضى باطلا ورجس من حكم الشيطان فهدموه ولم يعطوا حتى لأنفسهم فرصة لأن يؤسسوا لتجربتهم أو يجعلوا لها أرضية وسند شعبى، أرادوا أن يقفزوا مباشرة إلى مشروع الأمة الإسلامية من خلال حل مشكلتى غزة وحلايب وشلاتين فرآهم الداخل المصرى خونة وعلى التواز معهم يأتى شباب الليبراليون الجدد الذى سماهم الإعلام «الطابور الخامس» يضغطون بشدة لتمرير المتطلبات الغربية من الداخل المصرى وهم يفعلون هذا عن جهل بالتاريخ ورفض مرضى للهوية ناتج عن إحساس بالدونية والهزيمة ونزوع للتشبه بثقافة المنتصر.. لذا ترى هؤلاء الشبان يتشبهون فى مظهرهم وسلوكهم الشخصى بهذا السيد هروبًا من الواقع وأحيانًا هروبًا من أزمات شخصية والمتطرفون من هؤلاء يشبهون إلى حد كبير المتطرفين فى الجانب الآخر المنسوبين إلى التطرف الدينى.
(4)
لقد لفت نظرى فى باب الحقوق والحريات والواجبات العامة هذا الاندفاع الجامح نحو حرية التعبير والإبداع وحاولت أن أجد لهذا تفسيرا فى الواقع وفى ذهنية الأغلبية التى شاركت فى وضع التعديلات على الدستور المعطل المنسوب للإخوان وعلى الأساس نفسه حاولت أن أجد تفسيرا لعبارة «التمييز والحض على الكراهية» التى وردت فى المادة (53) وتوصيفها بأنها جريمة وردت بشأنها تفصيلة أخرى فى المادة (67) تنص على أن «الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن فى أعراض الأفراد فيحدد القانون عقوبتها» وقد ورد النص الأخير فى مادة تنص على حرية الإبداع الفنى والأدبى بينما وردت العبارة الأولى فى مادة تتعلق بالمساواة فى الحقوق والحريات والواجبات العامة وانسحب التمييز هنا على الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعى أو الانتماء الجغرافى أو لأى سبب آخر..
كلام جميل ورائع والتمييز قبل أن يوصف بأنه جريمة مجتمعية فهو ذنب دينى نهت عنه السماء لكن المسألة عند الغرب ليست مسألة مجتمع أو دين ولكنها سياسية.. كيف؟! أقول لك:
يحكى التاريخ أن مفكرين وإصلاحيين فى الغرب دعوا إلى عدم التمييز والحض على الكراهية ، هكذا بدأ الأمر لكنه انتهى إلى تجريم من يجرؤ على مناقشة المحرقة اليهودية «الهولوكست» أو يشكك فى تفاصيلها.. هل فهمت شىء؟! أقول لك فزورة أخرى لقد رأيت على فضائية الجزيرة الأسبوع الماضى الأخ خالد داود المتحدث الرسمى لحزب الدستور يعيب على مشروع الدستور الحالى ليس فقط مادة القضاء العسكرى ولكن يعيب عليه أيضًا أنه لم يسمح للأديان الأخرى بالحقوق التى منحها للأديان السماوية.. وبمجرد أن نطق هذا الكلام تذكّرت صورة فوتوغرافية التقطت حديثا لأيقونة الليبرالية البرادعى وهو يجلس إلى جوار الدلاى لاما زعيم البوذية ، ويعلو وجه الأيقونة والزعيم الدينى ابتسامات الرضا المتبادل، ويحدث هذا بينما يواصل البوذيون البورميون إبادة الأقلية الإسلامية المستضعفة فى بورما.. فهل يعرف الأخ داود لماذا يتم ترشيح البوذية عقيدة روحانية للعالم ويرفض الغرب الرأسمالى الصهيونى الفكر الإسلام أو المسيحية بل ويطلقون عليهما عقائد الكبت التقليدية (ليست على الموضة) ؟! هذه فزورة أخرى لا أعتقد أن الليبراليين الجدد يمكنهم أن يمنحونا حلا مقنعا لها لأنهم الغرب قراءة صحيحة أو كما أسلفت يقرأون العالم بالمقلوب ، وهم فقط يرون الداخل العربى والمصرى مزرى ويريدون تغييره بحلوه ومُره وبتفسيرهم لجريمة التمييز والحض على الكراهية هم يدعون من الآن إلى الإعتراف المطلق بالهولوكست، كما اعترف أسلافهم فى العصر الذهبى لليبرالية بحق اليهود فى إقامة وطن قومى فى فلسطين .. وإذا أنكر الأحفاد فالوثائق والتاريخ موجودان .. أما أنا فأتمنى ألا أعيش حتى يجىء اليوم الذى يحاكم فيه مصرى لأنه شكك فى الهولوكست.. يا رب لا ترينى هذا اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى