حين يعيش الإنسان في الخيال.. ويمر العمر في الواقع

بقلم: فوزي عبد المسيح جندي
أحيانًا لا يسرق الإنسانَ عمرُه…
ولا الفقرُ… ولا المرضُ… ولا الغربةُ…
بل يسرقه شيء لا يراه أحد: الخيال.
يجلس الإنسان في مكانه، بينما يسافر عقله إلى أماكن لم تطأها قدماه، ويعيش في قلبه حبًا لم يبدأ، وينعم بمال لم يملكه، ويسكن بيتًا لم يشتره، ويتخيل منصبًا لم يصل إليه، ويرسم لنفسه حياة كاملة لا وجود لها إلا في رأسه.
ثم تمر الأيام…
ويكبر الإنسان وهو يظن أنه كان يعيش، بينما الحقيقة أنه كان يتخيل الحياة فقط.
الخيال واحد من أعجب الأشياء التي منحها الله للإنسان؛ به نحلم، وبه نرسم المستقبل، وبه نرى ما لا تستطيع أعيننا أن تراه الآن.
قد يكون الخيال بداية الحلم، والحلم بداية العمل، والعمل بداية الوصول.
لكن الخيال له وجه آخر…
فحين يصبح الإنسان أسيرًا لما يتخيله، يبدأ في فقدان علاقته بالحقيقة. يصنع في عقله عالمًا كاملًا، ثم يغضب من الواقع لأنه لم يأتِ مطابقًا لما رسمه.
وهنا تبدأ المسافة المؤلمة بين ما تمنيناه وما وجدناه.
فالواقع لا يجامل أحدًا.
الواقع لا يسألنا ماذا تخيلنا، ولا يهتم بالصورة الجميلة التي رسمناها في أذهاننا. الواقع يأتي كما هو؛ فيه الفرح والحزن، النجاح والفشل، اللقاء والفراق، الحب والاختلاف، الصحة والمرض، المكسب والخسارة.
أما الخيال، فيستطيع أن يمنحنا حياة بلا عيوب.
ولهذا قد يكون الخيال أحيانًا أجمل من الحقيقة… لكنه ليس الحقيقة.
خذ الحب مثلًا.
كم من إنسان أحب في خياله قبل أن يحب في الواقع؟
يرسم في ذهنه إنسانًا كاملًا؛ يفهمه دائمًا، ويقول الكلمات التي يحب سماعها، ويعرف كيف يرضيه، ولا يختلف معه، ولا يخذله.
ثم يأتي الواقع.
فيكتشف أن من أحبه إنسان له طباعه، وضعفه، وأخطاؤه، وغضبه، واحتياجاته، وأن الحب الحقيقي ليس كلمات جميلة طوال الوقت، وإنما صبر ومسؤولية واحتمال ورحمة.
وهنا يسأل الإنسان نفسه: أين ذهب الحب الذي كنت أحلم به؟
لم يذهب الحب…
إنما ذهب الخيال.
فالزواج تحديدًا قد يكشف للإنسان الفرق بين الحب الذي نكتبه في أحلامنا، والحب الذي نعيشه في أيامنا.
الرومانسية جميلة، لكنها لا تكفي لبناء بيت.
والكلمات الجميلة جميلة، لكنها لا تحمل وحدها مسؤولية أسرة.
فالبيت الحقيقي فيه فاتورة، وتعب، ومرض، وخلاف، وقلق، وأطفال، ومسؤوليات، وأيام يضعف فيها أحد الزوجين ويحتاج إلى الآخر.
هناك فقط نكتشف أن الحب ليس أن أعيش مع الإنسان الذي تخيلته، وإنما أن أتعلم كيف أحب الإنسان الحقيقي الذي أمامي.
والفتاة قد تعيش سنوات تحلم بفارس الأحلام، والشاب قد يرسم في خياله فتاة لا تخطئ ولا تختلف ولا تتغير، ثم يأتي الزواج ليضعهما أمام الحقيقة.
الحياة تقول لهما ببساطة:
أنتم لا تعيشون مع صورة في الخيال، بل مع إنسان.
والإنسان ليس كاملًا.
والسفر كذلك.
قد يجلس الإنسان في غرفته، ينظر إلى صور البلاد البعيدة، ويتخيل حياة مختلفة؛ شوارع جميلة، مالًا كثيرًا، نجاحًا سريعًا، ومستقبلًا بلا مشاكل.
ثم يسافر.
فتستقبله الغربة قبل أن تستقبله الأحلام.
يعمل، ويتعب، ويشتاق إلى أمه، وأبيه، وأسرته، وشارعه القديم، وصوت الناس الذين كان يظن أنه يريد الهروب منهم.
ويكتشف أن المكان الذي كان يراه من بعيد كان جميلًا لأن المسافة أخفت عنه تفاصيله.
فكل مكان نراه من بعيد يبدو كاملًا، حتى نقترب منه.
حتى الحزن له خيال.
الإنسان الحزين قد لا يكتفي بما حدث، بل يبدأ في صناعة أحداث أخرى داخل رأسه. يعيد الموقف عشرات المرات، ويتخيل ما كان يمكن أن يحدث، وماذا كان سيقول لو عاد الزمن، وماذا كان سيحدث لو لم يفعل فلان كذا.
ثم يعيش الألم مرة ثانية وثالثة وعاشرة…
وقد يكون الشيء الذي يؤلمه قد انتهى في الواقع، لكنه ما زال حيًا في خياله.
وهنا يصبح الإنسان سجينًا لشيء لم يعد موجودًا.
إن أخطر سجون الإنسان أحيانًا ليست جدرانًا من حديد، وإنما فكرة لا يستطيع أن يخرج منها.
وقد يكون الإنسان غنيًا بالخيال وفقيرًا في الواقع.
يتخيل المال، ويتخيل النجاح، ويتخيل الشهرة، ويتخيل المنصب، ويتخيل أن الناس ستنظر إليه يومًا بإعجاب.
يقول:
عندما أمتلك المال سأعيش.
عندما أصل إلى المنصب سأكون سعيدًا.
عندما أسافر ستتغير حياتي.
عندما أتزوج سأرتاح.
عندما أصبح مشهورًا سيعرف الجميع قيمتي.
ثم يضع حياته كلها في يد كلمة واحدة: عندما.
ويمر العمر…
ويظل الإنسان واقفًا أمام باب المستقبل، منتظرًا الحياة التي تخيلها، بينما حياته الحقيقية كانت تمر من خلفه.
وهنا تكمن المأساة.
أن يمضي العمر في انتظار حياة لم تأتِ.
ليس عيبًا أن تحلم بأن تكون غنيًا، لكن العيب أن تقضي عمرك في تخيل الغنى دون أن تعمل.
ليس عيبًا أن تحلم بالنجاح، لكن العيب أن تحب صورة النجاح أكثر من تعب الطريق.
ليس عيبًا أن تحلم بالحب، لكن العيب أن ترفض كل إنسان حقيقي لأنه لا يشبه الشخصية التي صنعتها في خيالك.
ليس عيبًا أن تحلم بالسفر، لكن لا تجعل البلد الذي تتخيله أجمل من كل شيء في حياتك.
الحلم الحقيقي لا يفصل الإنسان عن الواقع، بل يدفعه إلى مواجهته.
الحلم يقول: سأحاول.
أما الوهم فيقول: سأكتفي بأن أتخيل.
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
الحلم يحتاج إلى قدمين تمشيان.
أما الوهم فيحتاج فقط إلى عينين مغمضتين.
لذلك لا تقتل خيالك، ولكن لا تسكن فيه.
اجعل الخيال نافذة، لا بيتًا.
اجعله يريك ما يمكن أن تكون عليه، ثم عد إلى أرضك وابنِ ما رأيته.
احلم، ولكن اعمل.
تمنى، ولكن اسعَ.
أحب، ولكن انظر إلى الحقيقة.
خطط، ولكن تقبل أن الطريق قد لا يكون كما رسمته.
فالحياة لا تعطينا دائمًا ما تخيلناه، لكنها تعطينا أشياء لم نكن نتخيلها أصلًا.
وربما يكون أجمل ما في الحياة أن بعض أبوابها لا تُفتح بالطريقة التي حلمنا بها، بل بطريقة لم نفكر فيها يومًا.
وفي النهاية…
قد يقضي الإنسان سنوات يطارد صورة في خياله، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أن الشيء الذي كان يبحث عنه لم يكن بعيدًا عنه أصلًا، وإنما كان يعيش بجواره ولم يره لأنه كان مشغولًا بالنظر إلى عالم صنعه بنفسه.
لا تجعل خيالك يسرق منك واقعك.
فالعمر أقصر من أن نعيشه مرتين؛ مرة في أحلامنا، ومرة أخرى في الحقيقة.
احلم…
لكن افتح عينيك.
فالحياة الحقيقية، بكل ما فيها من نقص وألم وفرح، تنتظر أن نعيشها.
والعمر الذي يمر في الخيال… لا يعود عندما نستيقظ.
هذه النسخة تجعل المقال أقرب إلى المقال الأدبي الفلسفي الصحفي، وتبدأ بجملة صادمة نسبيًا ثم تتدرج من الحب والسفر والحزن والمال إلى الفكرة الأعمق: هل نحن نعيش حياتنا، أم نعيش الصورة التي صنعناها عنها؟
اقرأ أيضًا:



