هدى الفقي تكتب .. عشنا وشوفنا

قديمًا كانوا يقولون “ اللى يعيش ياما يشوف” وعشنا وشوفنا فيروس كورونا الذي أخرج أسوأ ما في قاع النفس البشرية في هذا العام الغريب.
بعد جائحة كورونا، ترى الأشخاص يخافون بعضهم البعض وهم تحت سقف واحد، ومن أسرة واحدة، يكتشفون أن العزلة هى المخرج الوحيد من الموت الذي يحاوطهم من كل مكان، وربما يحمله لهم ويجنى عليهم به أقرب وأعز الناس لهم دون أن يدري أنه مصدر العدوى لأسرته.
قبل أيام ، سمعت استغاثة الدكتورة عبلة الكحلاوى للمساعدة في إنقاذ نزلاء مجمع الباقيات الصالحات من تفشي فيروس كورونا، التي فيها أشخاص أفنوا حياتهم في تربية أبنائهم الذين تنكروا لهم عند الكبر للدرجة التي تجعل الدار ترسل بكبار السن لذويهم خوفًا عليهم من العدوي فيردهم الأبناء إلى الدار مرة أخرى.
وقامت الدار بعمل الفحوصات والأشعة المقطعية لنزلائها وبعدما تبين عدم اصابتهم بالفيروس، قامت بالاتصال مرة أخرى بأسرهم حتى ينقذون حياة أباءهم وأمهاتهم من الموت فرفضوا استلامهم وكانت الردود ” اعتبروهم مرضى بالكورونا” وأنهم ليس لديهم أماكن لهم في بيوتهم حسب قولها.
وتابعت الكحلاوي في استغاثتها الصوتية ” احنا في زمن صعب أوى ربنا يعيننا ع الأيام ” ، وأفوض أمري إلي الله، مشددة على أنها تحافظ على المرضى “برموش عينيها ” حسب قولها وطلبت الدعم والمساعدة بمعدات طبية للمرضى، وأنهت بقولها ” إن لم يرحمنا الله فلا راحم لنا وأنها ليست وحدها ولكن الله معها”.
ومن الطبيعي أن يستجدى الإنسان في هذه الأزمة القاتلة رضى والديه ودعواتهم للنجاة من كل بلاء، ولكن للأسف ما حدث هو العكس في عصر اللامعقول الذي نعيش فيه، لكنه شيء متوقع ممن ترك أبويه لدار ترعاه في أخر عمره فضلًا بدلًا من أن يرعاه بنفسه ويكسب برهم ورضاهم. ونسي البعض وصية الله سبحانه وتعالى “وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ” الأحقاف الآية ١٥.
ربما يكون الخوف من الفيروس شيء احتياطي مجرد حذر من العدوى، ولكن طول مدة استمرار وانتشار الفيروس، وتنقله السريع بين الناس جعلهم يمدون يدهم ويخرجون ما في قاع أنفسهم ويقدمونه أمام الجميع بدون إحساس ولا إنسانية ولا أخلاق ولا حتى اعتبار للخزى والعار الذي لن يرحمهم لو نجوا من الموت بالفيروس.
إن النهاية لم تأت بعد حتى نفر من أقرب الناس لنا، وكتابنا مازال يدون فيه أعمالنا. إن الإنسان الذي نسي انسانيته وفترته هو من يستعجل الأخرة والحساب ويعيشها كل لحظة بجشعه وخوفه الهيستيري ويوهم نفسه بأنه يحافظ على بقاءه.
“فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَـحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِىء مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ “سورة عبس. الآية 37.



