من الإعجاب إلى التحفظ ثم الكراهية والدعوة إلى القطيعة هكذا يمكن أن نصف علاقة أغلبية الشعب المصرى بتركيا وتجربتها الاقتصادية والسياسية خلال السنوات الثلاث الأخيرة على الأقل .
بعد ثورة 25 يناير وفى غمرة تطلع المصريين لتجربة تنموية قريبة الشبه اجتماعيًا بمصر تطلعت أبصار المصريين نحوها .. تركيا الجميلة بمآذنها وقبابها وشوارعها النظيفة وتحضر أهلها ونظام الحكم الذى مزج الحداثة بالروح الإسلامية، وأحدث تصالحًا بين الحاضر والماضى والمستقبل وهى معادلة تفتقدها معظم بلدان الشرق الإسلامى. (1)
بلد أوروبى على رأسه حجاب هكذا رآها كثير من المصريين المحافظين ولم يمنع هذا أن يراها غير المحافظين فتاة جميلة تشبه أبطال المسلسلات التركية التى انتشرت فى مصر واجتذبت رواد كثر منذ سنوات، ولم تتجاوز الرؤيتان فى البداية المظهر الاجتماعى للشعب التركى، وبعد الثورة تحديدا عندما سعى المصريون فى البحث عن تجربة ناجحة اتسعت الرؤية إلى الاقتصاد والتنمية، وعرفنا شيئًا عن معجزة حزب العدالة والتنمية وإن كان الإخوان قد سبقونا إلى ذلك قبل ثورة 25 يناير بعدة سنوات وحاولوا استغلاله، وبالفعل ذهب رجال الأعمال التابعين للجماعة إلى تركيا لمد جسور التعاون والحصول على وكالات وإنشاء مشروعات مشتركة مصرية – تركية وحدث كل هذا فى ظل إعجاب أزعج السلطات المصرية الحاكمة قبل الثورة، وبدأت أبواق النظام فى هذا التاريخ تحذر من المشروع السياسى التركى فى المنطقة العربية لكن لم يستقبل المصريون هذه التحذيرات بجدية ولم يصدقوها على خلفية رفضهم للنظام الحاكم وأبواقه الإعلامية المعبرة عنه، وربما ولهذا السبب الأخير تحديدًا لم يكن الدور التركى أو السياسة التركية وما يتعلق منها بمصر والعرب محل اهتمام أو بحث حتى بعد ثورة يناير ، ونتذكر عندما جاء الرئيس التركى عبد الله جول فى زيارة خاطفة إلى مصر بعد نجاح الثورة فى خلع مبارك بأيام قليلة أنه أعلن للمصريين ولقادة الجيش الذين تولى حكم مصر فى هذا التاريخ أن بلاده حريصة على تقديم الدعم القوى لمصر خلال الفترة الانتقالية وأنها تسعى لزيادة آفاق التعاون فى ظل صداقة متميزة تجمع الشعبين الشقيقين، وبعده جاء رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان مرتين _إن لم تخونى الذاكرة – يردد نفس الكلام وفى المرة الثانية حرص على أن يصطحب معه جيش من رجال الأعمال ويبحث ويناقش سُبل دعم التعاون السياسى والاقتصادى المشترك بين مصر وبلاده، فرآه المصريون على صورته تلك مجرد سياسى برجماتى جاء يبحث لبلاده عن فرص اقتصادية فى مصر ما بعد الثورة التى تبحث عن رفاق جدد يدعمونها فى مشوارها التنموى التى تؤسس له بعد أن تتخلص من شبكة العلاقات الاقتصادية التى امتصت خيرات البلاد إبان حكم الرئيس المخلوع مبارك، إلى هذا الوقت كان الاقتصاد حاضرا وكانت السياسة غائبة فى معادلة العلاقات المصرية التركية، أو غير مفهومة على الجانب المصرى على الأقل.
(2)
ولم ينتبه كثيرون آنذاك إلى الإعجاب الإخوانى بالتجربة السياسية للإسلاميين فى تركيا أو أن هذا الإعجاب وصل إلى حد إطلاق الجماعة اسم «الحرية والعدالة» على الحزب الذى أطلقوه بعد ثورة 25 يناير، وكما هو واضح فإن الاسم قريب الشبه باسم العدالة والتنمية الحزب التركى ذو المرجعية الإسلامية لكن يبدو أن الإخوان اكتفوا بالمظاهر وبإرث الإعجاب التاريخى للجماعة بدولة الخلافة التركية هذا الإعجاب الذى ورثوه عن مؤسسهم الأول حسن البنا، وبالشكل الحديث الذى عاد به الإسلاميون إلى الحكم على حساب الأحزاب والنخب العلمانية ولم يتجاوز هذا الإعجاب الشكلى إلى الاستفادة الحقيقية بإيجابيات التجربة على الداخل التركى وحقيقة تطلعاتها السياسية على المستوى الإقليمى والعربى تحديدًا، وثالثًا وهذا الأهم الإجابة على سؤال هل تتعارض هذه المصالح مع المصالح المصرية والأمن القومى لمصر .. أم تدور فى فلكها وتتماس معها وتدعمها؟!
أعتقد أن الإخوان على مستوى الجماعة ونخبتها التى تصدرت المشهد السياسى قد أغلقوا عقولهم فى وجه هذه الأسئلة اعتمادًا على مشاعرهم التى أخبرتهم أن الإسلاميين الأتراك هم ظهيرهم الذى لا يحتمل الشك فى نواياه والشريك الذى يقاسمهم المشروع السياسى فى دولة الخلافة وفوق ذلك يدين الإخوان لتركيابأنها كانت محطة من المحطات التى استقبلتهم حين فروا من عبد الناصر، ومن المعروف فى أوساط الجماعة أن سعيد رمضان أحد أقطاب الدعوة الإخوانية شارك فى بعض المؤتمرات فى تركيا وعمل من خلالها على توثيق الصلة بالمثقفين الإسلاميين فيها.. هذا ما تعرفه الجماعة ولا يعرفه عموم المصريين الذين لم يعنيهم فى قليل أو كثير علاقات الإخوان بالخارج إلا بعد 30 يونيو 2013.
(3)
والذى حدث بعد هذا التاريخ الأخير هو أن النظام التركى الحاكم وعلى رأسه رجب طيب أردوغان لم يستطع أن يحافظ على توازنه الظاهرى نحو مصر التى سقط فيها ظهيره وحليفه الإخوانى فاندفع أردوغان ورجاله يطلقون تصريحات منحازة وداعمة بشكل صريح للإخوان وتجاوز الأمر التصريحات والكلام إلى الأفعال فلم يعد خافيًا أن السفارات التركية فى مصر والمنطقة العربية كان لها دور فى تهريب عدد من قيادات الجماعة إلى الخارج وتقديم وسائل الدعم لهم من خلال مؤسسة يرأسها ابن أردوغان المدعو بلال، وهكذا تجاوز الدور السياسى التركى تحت قيادة أردوغان خطوطًا كثيرة حمراء حين تحول من بلد حريص على بقاء علاقات مصالح متوازنة مع مصر إلى دور الطرف الذى يسعى إلى اختراقها وتصدير الاضطرابات لها والتدخل السافر فى شئونها الداخلية دونما اعتبار لإرادة أو اختيارات الشعب المصرى.. نفس هذا الدور الذى لعبته تركيا فى سوريا قبل مصر وتحولت فيه من حليف وصديق لبشار إلى عدو صريح دعما لثورة الإسلاميين التى بدا فى وقت من الأوقات إنها فى طريقها لهزيمة نظام بشار.
(4)
والآن وتركيا تترنح تحت ضربات الفساد وتصعّد المعارضة التركية من ضغوطها لتحويل هذه الفضيحة من مجرد فساد مالى إلى فساد سياسى يحمل اتهامات صريحة بدعم أردوغان وأسرته للإرهاب وتنظيم القاعدة وذلك بعد تسريب معلومات أولية عن علاقة نجل أردوغان – الذى يمارس ألعاب السياسة – برجل الأعمال السعودى ياسين القاضى المدرج اسمه على لائحة الإرهاب الدولى للأمم المتحدة.
وبعد هذا ماذا ينتظر نظام أردوغان من مصر الرسمية؟! هل ينتظر التصعيد استغلالا لهذه الظروف والدفع بقوة لتهييج الداخل التركى ضد نظام أردوغان الحاكم؟! أم أن الظرف المصرى الحالى لا يسمح بهذا؟! لندع للأيام القادمة أن تجيبنا عن السؤال.