3بسنوات مرت علينا منذ انطلقت ثورة يناير 2011 شهدنا من أيامها ولياليها مالم يشهده الشيب الحاضر فى سنوات عمره المنقضى ولا سمع به الصغار والولدان..
35 شهرًا تقريبًا تم فيها الإطاحة برئيسين وتوالى على حكم مصر 5 حكومات ضمت عشرات من الوزراء لم يكد الناس يحفظون أسماء أغلبهم، وتفجرت صراعات السلطة والأيدلوجيات فى تصاعد درامى أجل هذا التغيير الذى تفجرت من أجله الثورة بما حملته من أحلام كانت حبيسة العقول والقلوب لسنوات ..
وبعد مرور هذه المدة من الزمن وهذه الأحداث ألا يحق لنا أن نلتقط أنفاسنا، ونسأل أنفسنا: ماذا كنا نريد من الثورة ؟! وماذا تحقق مما كنا تواقين ولدينا أشواق لتحقيقه؟! (1)
لم يكن غياب الرئيس مرسى من المشهد الرئاسى بأقل دراماتيكية من غياب سلفه مبارك.
وفى المرتين اللتين تم فيهما خلع الرئيسين وجماعتيهما الحاكمة كان القرار والفعل بعد إرادة السماء لإرادة الغالبية من الشعب.
..نظام فاسد، ونظام فاشل هكذا حكمت الأغلبية على نظامى مبارك ومرسى ولا أعتقد أن التاريخ سوف يصدر أحكامًا مختلفة عما أصدرته أغلبية المصريين وخرجت بسببه إلى الشوارع تطلب التغيير.. تغيير الحاكم والنظام الذى أسسه وقوامه من الأفراد والسياسات، خرجت الناس تطلب حقوقها كاملة فى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وأحيانًا أكثر من حقوقها الفئوية ، وفى ذات الوقت الذى رفع فيه الناس هذه المطالب والشعارات لم يكن عند أكثرهم استعداد حقيقى لترجمة هذه الشعارات فى أنفسهم، لذلك لا أندهش حين أسمع الآن من يطالب بالدكتاتور العادل، بهذا الحاكم الذى يحمل فى يده سيف وفى الأخرى ميزان ويجبرك أن تقبل بعدله وإلا فالبديل هو الإطاحة برأسك.. هل هناك تفسير لدى علماء النفس لهذا؟! وهل استحضار شخصية الزعيم عبدالناصر ورفع صوره فى الميادين بعد الثورة يؤكد هذا الطلب أم يشير إلى أن المصريين رفضوا نزعة إسقاط النظام الأبوى التى تبناها شباب الليبراليين الجدد المتمرد الذى لم يفهم حتى اللحظة حقيقة اللعبة التى تم توظيفه فيها، وفرح صغار السن منهم فى التعبير عن فورة مراهقته وهو لا يدرى أنه بأفعاله الصبيانية يمكن أن يسلم رقبة الوطن لجلاديه.
(2)
35 شهرًا، وإذا قلت إن هناك بُعدًا خارجيًا فى الربيع العربى يقفز إليك من يسأل مستنكرًا: هل تقصد أنها لم تكن ثورة؟! أنصار التيار الإسلامى يفعلون هذا كثيرًا الآن لإثبات حقهم فى ثورة يناير والقول بأنهم الأساس فيها وبالتالى يكون ما حدث فى 30 يونيو هو انقلاب على الثورة.. فإذا ما قلت لهم إن مبارك كان رئيسًا منتخبًا وقبلتم الخروج على شرعية انتخابه وإسقاطه وقياسًا على ذلك يكون ما حدث مع مرسى هو نفسه ما حدث مع مبارك يردون ولكن مرسى ليس مبارك، ولن ينتهى النقاش – غالبا – حتى تجد نفسك قد دخلت دائرة من الجدل لن يكون الخروج منها سهلًا أو آمنًا.
وهكذا انقضت السنوات الثلاث الفائتة أو أغلبها فى صراع سياسى نخبوى يلقى بظله الدائم على الشارع فيستقطب الشرائح الفاعلة من الشباب، فيما بقت الأغلبية من الشعب تنتظر فارسها المنشود وفى انتظارها تشتكى معاناة حقيقية جراء أزمة اقتصادية متفاقمة ترتفع بسببها معدلات البطالة ويزيد من وطأة المعاناة عدم الاستقرار الأمنى وعدم تمكن سلطات الدولة من حُسن أداء وظائفها وبالتالى عدم التصدى للفساد – الموروث من قبل الثورة والفساد المستحدث بسبب الظروف الطارئة بعدها – بالقدر الذى يقنع الناس أن الثورة التى قامت لمكافحة الانحراف والاعوجاج حققت شيئا من أهدافها.
(3)
وما بين مساء الثلاثاء الماضى 31 ديسمبر وفجر اليوم التالى الذى بدأ فيه التأريخ لعام ميلادى جديد لم يكن هناك حدث كونى أو علامة فارقة فصلت بينهما، لم يلاحظ أحد تغييرًا فى لون السماء أو فى طبيعة الأرض لكن هناك من يراهن على شىء آخر سوف يحدث هذا التغيير فى العام الجديد ، ليس فى طبيعة الأرض والسماء ولكن فى طبائع المصريين.. ويحدد هذا الشىء فى الدستور المستحدث، هذا المشروع الذى تم إنجازه فى 2013 وسوف يتم الاستفتاء عليه فى 2014 ويتوقع كثيرون أن تأتى نتيجة الاستفتاء بقبول الأغلبية له باعتباره عنوانا لثورة 30 يونيو وباعتباره أيضًا يعكس أشواق الناس ليس للتغيير المنشود فقط ولكن للاستقرار أيضًا ودوران عجلة التنمية والخروج من الأزمة الاقتصادية وهم يتصورون أن هذا كله من الممكن أن يحدث بمجرد أن تعلن نتيجة الاستفتاء وتأتى بالقبول أو بالكثير بعد انتخاب البرلمان القادم ومن بعده رئيس الجمهورية.. وباختصار الناس لا تريد أن تتحمل مسئوليتها فى السعى إلى التغيير، وليس مطلوب منها أن تبحث عن حقن إحياء الضمائر وتحقن بها وريدها ولكن عليها أن تعرف أن أى تغيير له ثمن وأنها يجب أن تتحمل الثمن أو جزءًا منه .. على الناس أن تطلب تفعيل القانون والمعايير فى كل أمور حياتها وألا تكيل بمكيالين وفى نفس الوقت عليها ألا تغض الطرف عن الفساد أيًا كان حجمه أو مرتكبه وعلى كل شخص أن يبدأ بنفسه ثم بمن يعول وهناك آيات كثيرة فى القرآن وأحاديث السُنّة وأعداد فى الإنجيل تدعونا إلى ذلك وتعلمه لنا لكننا نرددها بأفواهنا فقط ولا تعيها قلوبنا ونطلب تطبيقها على الآخرين ولا نطبقها على أنفسنا وربما هذا ما يفسر طلب البعض منا لاستدعاء ظاهرة الديكتاتور العادل فنحن نريد من يقصرنا على جادة الصواب ويصلح اعوجاجنا ونحن نرى هذا فى شخص ولا نراه فى مؤسسة أو دولة فيها العدالة راسخة وفيها أيضًا الديمقراطية راسخة.
(4)
وهب أننا وضعنا أعظم دستور فى العالم وترجمنا مواده إلى قوانين صارمة منضبطة هل يكفى هذا الشق النظرى فى التغيير؟! بالتأكيد يبقى التطبيق هو الفيصل ويكمن سوء التطبيق فى آفة سوء التفكير، والشعب المصرى على الرغم من أنه من أذكى شعوب العالم وهذه مسلمة أؤمن بها تمامًا إلا أن ذكاء هذا الشعب – للأسف – كان ضحية على مذبح القيم والمشاعر السلبية التى تسربت للشخصية المصرية خلال العقود الأربعة الأخيرة ، والتى انتصرت فيها الأنانية والإقصاء والظلم والانتصار للذات بالباطل على قيم الحق والعدل ومصلحة الجماعة..
واسأل نفسك إذا كان لديك ولد عاطل وأتيح لك أن توظفه فى مكان ليس مؤهلا له ولا يخضع للمعايير التى تحكم هذه الوظيفة ومع علمك أن هناك من هو أجدر وأحق منها بولدك فهل ستخضع لهذا أو تقول لينتظر ولدى إلى أن تأتى له الوظيفة التى يستحقها؟! أعتقد أن الإجابة معروفة ويمكنك أن تنظر إلى مؤسسات الدولة وكشوف التعيينات فيها وسوف تكتشف العجب وربما تردد النكتة التى تقول إن حسنى مبارك فقط هو الذى لم يستطع أن يعين ابنه فى وظيفة رئيس الجمهورية خلفًا له.. وهذا مجرد مثال على ازدواج معاييرنا واعوجاج نفوسنا ونزوعنا إلى الفساد والإفساد (!!)