محمد قشطة يكتب عن:البطالة وأضرارها وسبل علاجها


البطالة لغة التعطل ونقيض العمالة والقعود عن السعي لمنفعة الدنيا او الاخره،ورد في
المعجم الوسيط (… وبطل العامل بِطالة: تعطّل، فهو بطّال)،وورد فى المصباح المنير (..وبَطَلَ الأجير من العمل فهو بطّال بيّن البَطالة بالفتح… وربما قيل بُطالة بالضم حملاً على نقيضهـا .
وأما اصطلاحا فقد تعددت تعريفات البطالة وهناك تعريف دارج في الاقتصاد السياسي التقليدي أن البطالة هي عدم العمل مع الرغبة فيه، وهو التعريف الذى أخذت به منظمة العمل الدولية حيث عرفت العاطل بأنه (كل من هو قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ويقبله عند مستوى الأجر السائد، ولكن دون جدوى).
أنواع البطالة:
1- البطالة الإجبارية وهي التي يجبر فيها العامل على ترك عمله كفصله من العمل تعسفيا أو معاش مبكر إجباري أو الخرجين الجدد الذين يبحثون عن فرصة عمل مناسبة ولا يجدونها .
2- البطالة الاختيارية وهي التي يختار فيها العامل ترك عمله ليبحث عن عمل أفضل أو أنه لديه من المال ما يكفيه فيفضل ترك العمل والخلود للراحة .
3- البطالة الظاهرة والبطالة المقنعة: هي البيروقراطية أو العمل من خلال المكاتب حيث يتزايد عدد القائمين بالعمل عن حاجته الأصلية فلا يكونوا منتجين إنتاجا فعليا يتناسب مع وظائفهم كما أنها تعطل عن العمل نظرا لاتكالية الموظفين بعضهم على بعض في إنجاز العمل المطلوب منهم .
4- البطالة الموسمية : وهي التي توجد في الريف كمواسم الزراعة وغيرها أو في القطاعات الأخرى كالسياحة مثلا فالعاملون بها يؤدون أعمالا غير دائمة وإنما على فترات ثم يظلوا بدون عمل فترات طويلة .

من أسباب البطالة: وقد اشار الباحثون الاقتصاديون الى أسباب عديده للبطالة، ومن أهم هذه الأسباب:
•الأزمات الدورية للنظام الاقتصادي الراسمالى.فى المجتمعات الغربيه.
• ارتفاع معدلات النمو السكان بدون إيجاد الدولة فرص عمل جديدة.
• تدنى مستويات التعليم وعدم مواكبته للتطور التكنولوجي.
• انخفاض معدلات النمو الاقتصادي.
• استغلال أصحاب العمل للعمال من خلال فرض ساعات عمل إضافية باجر قليل او بدون اجر، وتشغيل الأطفال. إلى غياب التخطيط الاقتصادي المنهجي و عدم تطابق برامج التعليم في معظـم الدول العربية مع حاجات سوق العمل الفعلية، كما أن التكوين التعليمي في معظم الدول العربيـة لا يتجــاوب مع التطورات التكنولوجية السريعة الجارية في عالم اليوم.
– خصخصة شركات ومؤسسات القطاع العام مما أدى إلى التخلي عن أعداد كبيرة من العمال في شركـات و مؤسسات القطاع العام.
– تخلي الدولة عن الالتزام بتعيين الخريجين و تقليص التوظيف الحكومي؛
-تقليص معدل الإنفاق العمومي الموجه للخدمات الاجتماعية أدى إلى خفض مواز في طلب الحكومة على العمالة المشتغلة بهذه الخدمات ؛
– تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي أدى إلى خفض الاستثمار الحكومي في خلق طاقات إنتاجية جديدة تستوعب الأيدي العاطلة
– استبدال العمالة العربية بعمالة أسيوية لرخص الأخيرة لأن صاحب العمل يريد التوفير مع أداء العمل بكفاءة
-لجوء الدول البترولية إلى اتباع سياسة التوطين لتخفيف حدة البطالة في دولهم .
– الحروب والإنفاق الحربي الباهظ في بعض الدول التي كانت مصدرا لاستقطاب عدد كبير من العمالة مثل العراق فعاد عدد كبير من العاملين لدولهم فاصبحوا عبئا على دولهم لأنهم تحولوا إلى عاطلين عن العمل .
البطالة بين المجتمعات الغربية والمجتمعات المسلمة: تعتبر البطالة في المجتمعات الغربية الليبرالية الراسماليه أحد أهم إفرازات الأزمات الاقتصادية الدورية للنظام الاقتصادي الرأسمالي، المستند إلى الليبرالية كفلسفة ومنهج، والقائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع. فعلى سبيل المثال أفرزت الأزمه الاقتصادية العالمية الأخيره أعلي معدلات للبطالة في الغرب ، كما كانت بداية ثوره الشباب العربي في كل من تونس ومصر، لان هذه الدول اتخذت موقف القبول المطلق من الخصخصة (الاليه الاساسيه للراسماليه)، وبالتالي كانت أكثر الدول العربية تأثرا بالازمه الاقتصادية العالمية وإفرازاتها.. أما في المجتمعات المسلمة فإننا نجد ان الإسلام على المستوى النظري(ما ينبغي ان يكون) قد اعتبر العمل قيمه ايجابيه، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)(ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده). كما اعتبر ان البطالة ظاهره سالبه ،يقول ابن مسعود(رضي الله عنه) (إني لأكره أن أحد الرجل فارغاً لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته) .
أما على المستوى التطبيقي (ما هو كائن) فقد كان للدولة في المجتمعات المسلمة في مراحلها المتقدمة دور فاعل في محاربه البطالة من خلال آليات متعددة منها : القروض العامة:
فقد أعطى عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) للفلاحين في العراق أموالاً من بيت المال لاستغلال أرضهم، وعن الإمام أبي يوسف (ويعطى للعاجز كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل فيها). ثانيا: تطبيق مفهوم الأرض لمن يفلحها لقوله (صلى الله عليه وسلم)
(من أحيا أرضاً ميتة فهي له) .ثالثا: عطاء الدولة: يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد، وما من احد إلا وله نصيب في هذا المال نصيب أعطيته أو منعته) ( عبد القادر المطري، كيف عالج الإسلام البطالة).غير ان البطالة قد شاعت في المجتمعات المسلمة في مراحلها المتاخره ،نتيجة لعوامل متعددة منها: تحلف النمو الاقتصادي لهذه المجتمعات نتيجة لتخلف نموها الحضاري ككل،وكمحصله لعوامل داخليه (كالجمود الاستبداد) وخارجية (كالاستعمار) متفاعلة ، ولتطبيق هذه المجتمعات للنظام الاقتصادي الراسمالى تحت شعارات عده كالانفتاح والخصخصة والإصلاح الاقتصادي…
آثار البطالة: من الآثار السالبة للبطالة الظاهرة أنه من الثابت أنه حيث توجد البطالة لانعدام فرص العمل توجد الجرائم (العمل غير المنتج)، وحيث توجد البطالة لانعدام الحاجة إلى العمل يوجد المجرمون والضحايا معا. بالاضافه إلى ان البطالة الظاهرة في كل الأحوال تحرم الشعب من بعض إمكانياته، فتنتقص من مقدرته على التقدم الاجتماعي. ومن الآثار السالبة للبطالة المقنعة أنها تبدد قدرا من كفائه العمل المبذول في غير موضعه، وتبدد الموارد التي لا تجد عملا يبذل فيها، وتكون الحصيلة عجز الشعب عن التقدم بما هو متاح فيه من بشر وموارد .
أنه يمكن للبطالة تؤثر في مدى إيمان الأفراد وقناعتهم بشرعية الامتثال للأنظمة والمبـادئ والقواعــد السلوكية المألوفة في المجتمع. وبذلك فإن البطالة لا يقتصر تأثيرها على تعزيز الدافعية والاستعداد للانحراف، إنما تعمل أيضا على إيجاد فئة من المجتمع تشعر بالحرية في الانحراف. و وفقاً لهذه القناعة والإيمـان فإن انتهاك الأنظمة والمعايير السلوكية العامة أو تجاوزها لا يعد عملاً محظوراً في نظرهم، لأنهم ليسوا ملزمين بقبـولها أو الامتثال لها. واتساقاً مع هذه النتائج تشير دراسة أخرى إلى أن الفقر والبطالة يــؤديان إلى حالة من شعور الرفض والعداء تجاه المجتمع وعدم الإيمان بشرعية أنظمته والامتثال لها، مما يؤدي إلى الانحراف والسلوك الإجرامي، وبخاصة فيما يتعلق بجرائم الاعتداء على النفس، ويعزز هذا الافتراض ما أشارت إليه دراسة عن حالة البطالة في المملكة العربيـــة السعودية إلى أن الفـرد العاطل قد يصاب بفقدان الشعور بالانتماء إلى المجتمع حيث يشعر بالظلم، الذي قد يدفعه إلى أن يصبح ناقمــا على المجتمع. لذا فإن ضعف الضوابط الأسرية وتأثير القيم العامة الذي ينتج من ارتفاع نسبــة البطالـة في المجتمع يؤدي إلى ضعف الاستعداد والقابلية للامتثال والتكيف مع الأنظمة والضوابط الاجتماعية، وهذا الوضــع يكون سبباً رئيساً في زيادة نسبة الجريمة خاصة جرائم الاعتداء على الأملاك.
كما أن البطالة تؤدي إلى انخفاض أواصـر الروابـــط التي يحملها الناس تجاه المؤسسات الرسمية والأنظمة والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمـع، كمـــا أنها تحـــد من فاعلية سلطة الأسرة بحيث لا تستطيع أن تقوم أو تمارس دورها في عملية الضبط الاجتماعي لأطفالها. أضـف إلى ذلك أن حالة البطالة عند الفرد يمكن أن تخلق كثيرا من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي، إضافة إلى أن كثيرا من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية. فمثلا يتسـم كثير من العاطلين بعـدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم .
تعد البطالة المصدر الرئيس للهجرة بحثا عن فرص عمل ولذلك اتسعت ظاهرة الهجرة غير الشرعية بشكل ربما يفوق الهجــرة المماثــلة في التجارب الأخرى، وذلك على رغم شدة القيود المفروضة على الهجرة، مما ولد ظاهرة سميت بقوارب الموت التي تحمل المهاجرين خاصة من دول شمال إفريقيا إلى الضفة الأوربية أملا في العثور على وظيفة في هذه الـدول لكن هذه القوارب تحولت إلى مصدر للمآسي خاصة بعد الإنتشالات المتكررة لجثث المهاجرين غير الشرعيين من عرض البحر الأبيض المتوسط .ويُتوقع أن تستمر محاولات تهريب المهاجرين والإقامة غير الشرعية رغم القيود التي تزداد شدة. ئيسي لمشكلة الفقر وزيادة أعداد الفقراء .
من أساليب حل مشكله البطالة:
• تفعيل دور الدولة في محاربه البطالة ، من خلال التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد،بدعم القطاع العام ماليا وفنيا وبشريا،وإصلاحه و تطهيره من البيروقراطية والفساد، وتفعيل الرقابة فيه .
• ان حل مشكله البطالة المقنعة لا تكون بالتبديد ” الكلى ” لقوة العمل بفصل العاملين كما يرى أنصار الحل الليبرالي الرسمالى. ، إنما يكون بالتوسع في القطاع العام ، بمزيد من المؤسسات الصناعية والتجارية والزراعية لتظل فرص العمل دائما أكثر من قوة العمل المتاحة .
• تجاوز موقفي القبول او الرفض المطلقين من الخصخصة (الاليه الاساسيه للراسماليه )إلى موقف نقدي منها قائم على:الوقوف ضد خصخصة المؤسسات الاستراتيجية والسلع الضرورية،مع ضمان شفافية وديمقراطية خصخصة القطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة.
• توجيه القطاع الخاص والاستثمار الاجنبى نحو المجالات الانتاجيه التي تساهم فى ايجاد فرص عمل جديدة، وتحفيزهما من خلال تخفيض الضرائب والرسوم في هذه المجالات.
• اتخاذ كافه الخطوات الممكنه تجاه الوحده الاقتصاديه بين الدول العربيه والاسلاميه، ومن ضمنها تسهيل حركه انتقال العماله والاستثمار بين هذه الدول.
• دعم المشاريع الصغيره وتفعيل التمويل الاصغر.
• تطوير النظام التعليمي لضمان مواكبته للتطور العلمي والتكنولوجي.
• تطوير التعليم الفني(التقني),
– تشغيل الطاقات العاطلة الموجودة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، و ذلك من خلال التوسع في برامـج التدريب و إعادة التدريب في مجال المهن اليدوية و نصف الماهرة، خاصة أن مزاولة هذه المهن تعتمد أساسا على الكفاءة الشخصية و الخبرة، و تحتاج إلى قدر بسيط من رأس المال، و يمكن أن تستوعب أعدادا كبيرة من العمالة المحلية؛
– أن تضع الحكومات العربية برامج خاصة للنهوض بالخدمات الصحية و التعليمية و المرافق العامة، الأمر الذي سيترتب عليه خلق فرص عمل منتجة لآلاف الخريجين و المؤهلين للعمل في هذه القطاعات، مع أن هذا الاقتراح يحمل بين طياته حلا جزئيا للبطالة، إلا أنه سيسهم في نفس الوقت في التنمية البشرية التي تمثل الآن إحدى الركائز المهمـة للتنمية المتواصلة؛
– دعم حماية و تشجيع القطاع الخاص المحلي و خاصة في المجالات كثيفة العمالة كالقطاع الزراعي، شريطة أن تتناسب المزايا و الحوافز المقررة له مع حجم ما يوفره من فرص للعمالة المحلية؛
– إحياء قطاعات مغيبة في برامج التنمية الاقتصادية في بعض الدول العربية، خاصة التي وجدت في العوائد الريعية ملاذا لتنفيذ خططها في المجالات المختلفة ألا هو قطاع الخدمات السياحية، حيث تمتلك أغلب الدول العربيـة فضاءات سياحيـة ستمتص كما هائلا من العاطلين لو أحسن استغلالها؛
– تعريب العمالة العربية و يتم ذلك من خلال إحلال العمالة العربية محل العمالـة الأجنبية في الدول العربية التي تعاني من نقص في تخصصات و مهن معينة مثل دول الخليج العربية؛
– تبني فكرة المشروعات الصغيرة و المتوسطة التي تعتبر أحد أبرز الآليات الجيدة لمواجهة مشاكل البطالة في الوطن العربي من خلال ما توفره من فرص عمل جديدة للشباب، وتعتبر ملائمة جدا لظروف الدول العربيــة وذلك لعدة اعتبارات أبرزها زيادة معدلات نمو السكان وبالتالي حجم القوى العاملة وانتشار البطالة وبمعدلات متزايدة وخاصة بين الخريجين الجدد؛
– الربط بين أساليب ومناهج وسياسات التعليم والتدريب المهني ومتطلبات أسواق العمل وتقليل الفجوة بين مختلـف مكونات هذه العناصر وذلك تماشياً مع قضايا الساعة المطروحة حول التصدي لمشكلات البطالة؛
– ربط شبكات معلومات التشغيل والتعليم والتدريب طبقاً لمستويات المهارة المحددة لرفع معدلات الاستفــادة من القوى العاملة العربية والعمل على استقرارها داخل الوطن العربي.



