قائمة بأسعار البنزين بعد الزيادة المتوقعة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى خلال الأسبوع الماضى، والقائمة حددت الأسعار لكل الأنواع بالقرش، ووحددت أيضا التاريخ الذى سوف يتم فيه سريان الأسعار الجديدة.
والقائمة تلقى قبولا ورواجا بين رواد التواصل ولم يحد من رواجها تكذيبات المسئولين عن البترول بداية من الوزير د.شريف إسماعيل وحتى المتحدث الرسمى للوزارة حمدى عبدالعزيز ونفيهما للخبر وكلاهما (الوزير والمتحدث) حرصا على أن يؤكدا نفى الزيادة فى الأسعار عن الوقت الحالى و«الوقت الحالى» قد يعنى اليوم أو هذا الأسبوع أو هذا الشهر، ويعنى أيضًا أن الزيادة قد تحدث الشهر القادم أو الذى يليه (!!) (1)
والذى فتح شهية الناس للتصديق بأن هناك احتمالا قويا وقائما فى تحريك أسعار البنزين هو تلك الزيادة التى تقررت على أسعار الغاز مؤخرًا.
ومصطلح تحريك الأسعار هو اختراع مصرى حكومى صميم يطلق على الزيادة فى أسعار الخدمات والسلع التى تقدمها الحكومة وهى فى غالبها السلع والخدمات المدعومة التى تقدم للمواطنين.. والحكومة ربما ترى أنها لا تتجمل أو تكذب هذه المرة إذا قالت إنها تنوى تحريك أسعار باقى المحروقات بعد الغاز، بمعنى زيادتها زيادة بسيطة أو محسوبة، وربما حسبها المسئولون هذه المرة بدقة حاولوا فيها أن يوازنوا ما بين العائد الاقتصادى من تلك الزيادة والتخوفات الاجتماعية المتمثلة فى ردة فعل الشارع سواء على مستوى المستهلك المباشر للبنزين والسولار الذى سوف يجد نفسه مطالبًا بتحمل عبء مادى إضافى على ميزانيته،وكل ما سبق هو تصورات من عندى بنيتها على معلومات مطروحة ونعرفها جميعا عن اقتصاد مصر شبه المنهار وعجز ميزانية دخل فى مرحلة الخطر الشديد.
ونمضى فى سيناريو رفع الأسعار للمحروقات فنقول إنه إذا حدث فيا ليت الأمر يتوقف فقط على هذه الزيادة، لكن الواقع والمعلوم يشيران إلى أن زيادات أخرى سوف تطول أسعار قائمة طويلة من السلع الأساسية والضرورية تعتمد على المحروقات مثل وسائل نقل الركاب الخاصة، والبضائع التى سوف يرفع أسعارها التجار ليعوضوا زيادة التكلفة أو النقص فى أرباحهم وهلم جرّا فى سيناريو يعرفه الناس وتعرفه الحكومة قبله.
وعندما أقول الحكومة فأنا أقصد الحكومة الحالية والحكومات السابقة التى خاضت مثل هذه التجارب ودفعت ثمنها، وما مضى فقد مضى لكن السؤال الآن لحكومة المهندس محلب وطهاتها: أليس لديكم إلا هذا النوع من «الطبيخ» المتمثل فى زيادة أسعار المحروقات لتعوضوا به جوع الميزانية وبطن الدعم المفتوح؟! أم هى شروط صندوق النقد الدولى حتى ننال رضاء المسئولين عنه ونحصل على قرضه الذى يراوغنا منذ ما بعد 25 يناير 2011 بشكل مريب؟!
(2)
ثلاث سنوات من مراوغة صندوق النقد كان ينتظر فيها (الصندوق) إعلان وفاة الاقتصاد المصرى وبعبارة أخرى إشهار إفلاس مصر وتسليمها إما للفوضى أو رجال أمريكا، وأزعم أن العالمين بباطن الربيع المصرى وظاهره يعرفون ذلك وأزعم أن بعض من الذين يعرفون يتولون أمرنا الآن، وهم أيديهم فى النار بينما أيدينا نحن فى الماء البارد.
أما الطرف الثالث فى هذه المعادلة وأقصد به صندوق النقد والمسئولين عنه فموقفهم غريب جدًا فهم يعرفون جيدًا أن حكومات دول الربيع العربى ومنها مصر تواجه توترات اجتماعية خطيرة ومتصاعدة وأن هذه التوترات تقلل من فرص تعافى اقتصاديات هذه الدول التى أصيبت بما يشبه الشلل جراء انتفاضات الربيع..
ويعرفون أيضًا أن هذه الدول ومنها مصر تستورد معظم منتجات البترول علاوة على أنها توجه جزءا كبيرا من مواردها ونفقاتها المالية على دعم هذه المنتجات ويعرفون ثالثًا أن صبر شعوب هذه الانتفاضات يتناقص ويكاد ينفد بسبب طموحاتها فى إصلاح سريع لم يتحقق، وعلى الرغم من كل ما سبق فإن صندوق النقد يصر على توجيه سهامه مباشرة نحو دعم الطاقة وبعده دعم الغذاء ويضغط المسئولون فيه بقوة فى هذا الاتجاه حتى لا يتركوا خيارًا آخر أمام حكومات الربيع ولا حتى هامش مناورة أو فرصة إصلاح حقيقية لاقتصاديات دول يصفها مسئولو الصندوق بأنها اقتصاديات هشة.. فماذا يريد الصندوق؟!
(3)
فى شهر أبريل من العام الماضى كادت حكومة هشام قنديل الإخوانية تصل إلى اتفاق مع صندوق النقد بشأن قرض يبلغ 4.8 مليار دولار وجلست كريستين لاجارد مديرة الصندوق وهى كاشفة عن ركبتيها والتقطت لها صورة تذكارية مع الرئيسين المنتميين للتيار الإسلامى، فيما يشبه الإعلان عن تخلى الإسلاميين لتحفظاتهم تجاه الصندوق وقرضه الربوى، كما كانوا يقولون قبل وصولهم للحكم، وقبولهم لشروط الصندوق التى تم الإعلان عن أنها ليست شروط (فزورة) لكنها مجرد ضمانات لخطة متماسكة تتفق الحكومة المصرية معهم بشأنها تضمن إعادة النمو الاقتصادى وتقليل عجز الميزانية الذى كان قد وصل فى شهر أبريل من العام الماضى إلى 23.6 مليار دولار ولم تكن هذه الخطة التى هى ليست شروط إلا تخفيض الدعم الذى يكلف الدولة ثلث الميزانية كل عام (!!)
ويبدو أن الذين كانوا يحكموننا فى هذه الفترة وافقوا على خطة الصندوق وبدأ التخطيط للتنفيذ دون الالتفات لإعلانات الرفض الشعبية على هذا الاتفاق، ولم يمهل القدر مرسى ولا قنديل تنفيذ خطتهما لأنه لم يمض تقريبًا ستة أسابيع على هذا الاتفاق المبدئى الذى يطلق عليه اتفاق «قرض تحت الطلب» حتى جاء 3 يوليو يطيح به وبمن اتفقوا عليه فى الداخل.
(4)
ودارت الأيام وها هى مسألة قرض صندوق النقد تعود إلى سيرتها الأولى والحكومة الحالية تقنع نفسها أن لا مناص من القرض بعد أن صنعت أو أهدرت الحكومة السابقة المساعدات الخليجية فيما أطلق عليه إنفاقا تحفيزيا، لكنه لم يحفز اقتصاد ولا حفز شعبا، لتأتى الحكومة الحالية وتدخلنا معها فى رهانات تقليدية محدودة جدًا لمسئولين قرروا أن يخوضوا المغامرة .. مغامرة تحريك الأسعار وقلقلة الدعم لنيل بركة صندوق النقد الدولى..
فاللهم سترك (!!)