اسم المتهم محمد فتحى، والاتهام الموجه إليه من جهات التحقيق : التورط فى قتل الشرطى محمد طه سيد أبو حامد من قوة قسم شرطة ثان 6 أكتوبر المكلف بتأمين كنيسة السيدة العذراء مريم .
والمفارقة أن القاتل مسلم و كذلك المقتول وهذا واضح من اسميهما اللذين يحملانه، وليس هناك من علاقة مباشرة لقتل الأول للثانى يستوجب هذا الاعتداء المجنون عليه وارتكاب هذا الجُرم الشنيع الذى نهى عنه رب الإسلام هذا الدين الذى يعتنقه محمد القاتل ومحمد المقتول.. لا مراء فى ذلك.
أما التوصيف القانونى للفعل فهو أنه تتوفر فيه أركان العمد، فالجريمة لم تقع على سبيل الخطأ والمفارقة أنه أيضًا ليس هناك من صلة مباشرة بين القاتل والمقتول إلا أن الأول يكفّر الثانى.. ولكن لماذا أصدر القاتل حكم التكفير على المقتول؟! هذا الحكم المنهى عنه أيضًا فى الإسلام لمن نطق الشهادتين؟!
وإجابة السؤال فى رأيّى هى لُب القضية ومربط الفرس ، ولكن لا أعتقد أنها (الإجابة) سوف تشغل المساحة التى تستحقها من إعلامنا خاصة المرئى منه صاحب التأثير الأكبر على المصريين الآن، هذا الإعلام التعبوى المحرض المثير الذى يخرج هذه الظواهر الاجتماعية (التكفير والعنف) وأشباهها مما طرأ على مجتمعنا المصرى فى الآونة الأخيرة من دوائرها ويفرغها من مدلولاتها الحقيقية حين يعالجها فيحولها إلى مادة استهلاكية لتسلية جمهور المشاهدين أو يفرغ فيها رغبات التشفى وإشباع غريزة الانتقام، إذا كان المتهمون من الخصوم السياسيين ، هذا التناول السطحى الساذج الذى لن يساعد على تشخيص مرض أو علاجه. (1)
الاعترافات المجتزئة من أقوال المتهم محمد فتحى اعترافات ليست جديدة على هذه الفئة المُضللة من الشباب المصرى، لكنها فى كل مرة تنشرها الصحف أو يتم تناولها فى الإعلام المرئى تبدو مثيرة وتستحوذ على اهتمامنا وكأننا نطالعها أو نسمعها لأول مرة..
محمد فتحى من أقواله التى يعترف فيها بقتله للجندى حارس الكنيسة يقرر عن قناعة ويقين أن والديه (أباه وأمه) كافران، وليس هما فقط ولكنه أيضًا يكفِّر أفراد الجيش والشرطة المصرية هكذا فى حكم مطلق مبنى على حيثيات لا هى من الدين، ولا يمكن أن تصدر عن عقل يوصف بأنه سليم ، وأقصد سليم فى الفهم والاستدلال والوصول إلى هذه النتائج المريضة فى الفكر والحكم على الناس.
والأكثر خطورة فى الأمر أن محمد فتحى ليس حالة متفردة وأن ظاهرة التكفيريين فى نسختها الأخيرة التى ظهرت على نطاق جغرافى واسع فى البلدان العربية التى شملتها فوضى الربيع العربى، وشكّلها فسيفساء أو موازييك من أطياف جماعات عديدة من القاعدة إلى التوحيد والجهاد وجند الإسلام، وداعش وغيرها من الجماعات التى ضمت أعدادًا كبيرة من الشباب الذى كره الحياة التى وهبه الله إياها ليعمر من خلالها الكون بالمحبة فاختار الموت باسم الشهادة بدلا عنها والقتل بدل الدعوة بالهداية ، والعذاب بدل المغفرة، أقول هذه الظاهرة اتسع نطاقها بشكل مُريب فيه من القصد والتنظيم أكثر من الصدفة والعشوائية.
(2)
ونعود مجددًا لاعترافات القاتل محمد فتحى ونعرف منها أنه «نقاش» والأغلب أنه لم ينل إلا قسطًا قليلا من التعليم، وورد فى اعترافاته أيضا أنه ارتحل مسافرا خارج مصر بحثًا عن مصدر للرزق والتكسب فذهب أولا إلى المملكة السعودية (معقل السلفية الأول) لكنه لم يقض فيها أكثر من 4 أشهر ونصف الشهر ، ومعنى ذلك أنه فشل فى عمله وفى الغالب تم ترحيله ولم يعد بإرادته،لكنه عرف فى سفرته تلك شيئا عن المذهب السلفى، وبعد عودته ما لبثت أن قامت ثورة يناير 2011 وفى أيام الثورة توجه لميدان التحرير الذى جمع كل الأطياف والمشارب والفئات لكن غلب على الحضور الشباب الباحث عن العدالة الاجتماعية الغائبة من أمثال محمد فتحى، وفى الميدان كما يقول فتحى التقى 3 أشخاص عرفوه بمنهج التوحيد والجهاد وعقب ذلك اصطحبوه إلى محافظة شمال سيناء، وهناك (فى سيناء) قاموا بتدريبه على استخدام الأسلحة النارية وعرّفوه بمنهج الجهاد فى سبيل الله (والكلام مازال لمحمد) وأن يجاهد ضد أى شخص يحارب الدين الإسلامى (!!)
ونتوقف هنا لنشير إلى أن أفكار هذا التنظيم الذى جنّد محمد فتحى يعتبر السلطة فى مصر كافرة ويدعو إلى القتال ضد الجيش والشرطة بصفتهما من الفئة الممتنعة التى تساعد السلطة فى عدم تطبيق شرع الله (الذى هو فى الحقيقة شرع الذين أسسوا ونظروا لهذا الفكر).
(3)
بقى محمد فتحى فى سيناء لمدة طويلة بعد أن غادر ميدان الثورة ثم سافر إلى السودان للعمل لكنه ظل على اتصاله بالتنظيم الذى دربه عبر الإنترنت وهذا ملمح آخر من ملامح هذا الشباب الذى يتم تدريبه على وسائل التكنولوجيا الحديثة والاتصالات لتوظيفها فى تلك المخططات الإرهابية التى تستهدف الداخل والحكومات التى يكفرونها.
وعاد فتحى من السودان بعد 6 أشهر ومرة أخرى نستطيع أن نفهم أنه عاد فاشلا خالى الوفاض، وبعد عودته بقليل وقعت أحداث 30 يوليو من الخروج على نظام الإخوان وعزل الرئيس مرسى فى 3 يوليو.. يقول فتحى فى اعترافاته أمام النيابة: «بدأنا فى الاستعداد لتنفيذ مخططاتنا وبالأخص عقب فض اعتصامى رابعة والنهضة، فقمنا بوضع الخطط حتى نتمكن من توفير الأسلحة لتنفيذ جرائمنا ضد الجيش والشرطة، وقابلت أحد أصدقائى ويدعى (وليد) فوضعنا خطة لتنفيذ الحصول على الأموال عن طريق ارتكاب حوادث السرقة ضد أصحاب محلات الذهب من المسيحيين، وقمنا عقب ذلك برصد أحد محلات الذهب بمنطقة 6 أكتوبر وأحضرت باقى أعضاء التنظيم وحضر أحدهما ويدعى «خطاب» من الإسكندرية قبل التنفيذ بيوم بجانب حضور «أبو يوسف» صاحب السيارة (التى استخدموها فى الحادث)، وهم (المتهم الرئيسى ومن معه) وعقب حملهم الأسلحة واستقلالهم السيارة توجهوا إلى محل الذهب وتوقفوا بالقرب منه، وأثناء انتظارهم اللحظة المناسبة لاقتحامه حضرت إليهم الخدمة المعينة لتأمين الكنيسة وسألتهم (أفراد الخدمة) عن سبب انتظارهم فى هذا المكان فأطلقوا عليهم (على أفراد الخدمة) وابلا من النيران مما أدى إلى مقتل الشرطى.
إذن لم يكن هدف المتهمين مهاجمة الكنيسة لكن كان الهدف سرقة محل الذهب المجاور لها وحسب أقوال المتهم أن عصابته التى تحسب على الإسلام والمسلمين كانت تسرق لتشترى بالأموال المسروقة أسلحة لتقتل بها أفراد الجيش والشرطة وكل من يعترض طريقهم أو يقاومهم من المسلمين والمسيحيين، المؤمنين والكافرين حسب شريعتهم، وليس هناك من شك أيضًا أن هذه الأموال المسروقة بدعوى الجهاد والمراق عليها دم الأبرياء أيضًا بدعوى الجهاد سوف ينفق منها أفراد الخلية على مأكلهم ومشربهم وأولادهم (إذا كان لهم أولاد) وربما على آبائهم وأمهاتهم الذين يرونهم كفارًا (!!) أى فكر هذا؟! وأى عقل يمكن أن يقبل هذا السفه والجنون ويعتبره فكرًا؟!
(4)
ما سبق ليس إلا اجتهادات وتحليلات أولية، وهى مجرد عناوين لمحطات مهمة فى تاريخ هذا الشاب المتهم بالإرهاب لابد أن نفهمها جيدًا حتى نستطيع تعاطى ظاهرته كمرض اجتماعى ونتعامل معها.
لكننا أيضًا لابد أن نشير إلى أن التحليل البسيط والأولى لفكر الجماعة التى انتمى إليها محمد فتحى لا يأخذنا للحكم عليها بأنها تنتمى إلى تنظيم القاعدة كما أشارت بعض الجرائد، فهذا حكم خاطئ والأقرب للدقة أن جماعات العنف المنسوبة للإسلام تلك التى عرفناها فى مصر بعد ثورة 25 يناير لا ترتبط بأيديولوجيات القاعدة بقدر ما ترتبط بالمواقف السياسية التى طرأت على مصر بعد 25 يناير 2011، و30 يوليو 2013.