سبحان مغير الأحوال!!.. بعد كثير من المماطلة والتمنع انتظروا فى الأيام القليلة القادمة أن يأتى إلى مصر مندوب صندوق النقد الدولى يحمل فى يده شنطة بها مبلغ القرض الذى جف ريق الحكومات المصرية الليبرالية منها والإسلامية خلال السنتين الأخيرتين وهى تطلبه من الصندوق، ويأتى هذا فى الوقت الذى نعيد فيه النظر حول هذا القرض.. والذى حدث أنه وصلت لنا عبر وسائل الإعلام الغربية رسائل أن مندوب الصندوق ينتظر الاستدعاء، وربما يأتينا فى وقت قريب وهو يحمل فى يده «حقيبة النقود» يتقدم بها إلى الحكومة المصرية فينظر فى عينيها وقد أسبل جفونه ورسم ابتسامة حب كاذبة ويقول: نحن لا نريد منكم شيئا.. لا شروط ولا ضغوط بفرض مزيد من سياسات التقشف ولا.. .. فقط اقبلوا هذا القرض المعطر بقبلات الود والامتنان. (1)
قد يبدو ما سبق أنه صورة خيالية لكنها بالفعل تعكس حالة فى أوساط صناعة القرار فى الغرب الأمريكى والأوروبى، وتستدعى هذه الحالة على المستوى الذهنى ذلك الموروث الشعبى عن الثعلب «المكار» الذى راوغته الدجاجات التى خطط لافتراسها واحتمت بحظيرتها فوقف ببابها يراودها بمعسول الحديث ويرسل لها إشارات الحب الكاذب ليقنعها أن تتنازل عن حصانتها وتفتح له الباب فيلتهمها.. هذه حدوتة كانت تحكى للأطفال قبل النوم لإدخالهم فى حالة النعاس، لكن حتى الأطفال الآن تجاوزت ذهنيتها هذه الأحاجى.
(2)
الحاصل أن دوائر صناعة القرار فى الغرب يزعجها كثيرًا طريقة تفكير عبد الفتاح السيسى المرشح الرئاسى وقد أدركت هذه الدوائر منذ مدة أنه الشخص الذى سيفوز بثقة المصريين فى الانتخابات الرئاسية القادمة.
وقلنا من قبل كثيرًا إن هذا الانزعاج يأتى أولا من انتساب السيسى للمؤسسة العسكرية وأن الدوائر التى خططت ودفعت نحو إطلاق ثورات الربيع العربى فى الغرب لم تكن تريد أبدًا أن يكون لهذه المؤسسة أو الأفراد القادمين منها أى دور سياسى فى البلدان العربية فى مرحلة ما بعد التحول الديمقراطى (كما يسميها الغرب) حتى لا يفسد عليهم طبختهم المسمومة.
وجاءت الأحداث بعد 30 يونيو 2013 بمثابة الضربة القاسمة فى هذا المخطط بعد أن أسقطت كثيرا من سيناريوهاته سواء الرامى منها إلى استخدام ما يطلق عليه تيار الإسلام السياسى حال وجوده فى الحكم إلى أقصى مدى ممكن ثم التخلى عنه لتسقطه الشعوب العربية وتستبعده من العملية السياسية، ومشروعه الأممى.. وبادر الشعب المصرى فعجل بإسقاط هذا التيار الممثل فى الإخوان دون أن يهتبل الغرب الفرصة من وجوده، ولما كانت المؤسسة العسكرية – مدعومة بالمؤسسة الدينية الرسمية (الأزهر والكنيسة) وبعض القوى التى يطلق عليها مدنية وليبرالية – هى التى قادت ونفذت إرادة غالبية المصريين فقد أفسد هذا جانبا آخر خطيرًا فى المخطط الخارجى، ليس هذا فقط ولكن أصبح للإرادة الشعبية قائدًا خارجا من صفوف المؤسسة العسكرية التى تصورت دوائر الربيع المسمومة أنها نالت منها فى نفوس المصريين.. ثم ماذا؟!
(3)
بعد 30 يونيو تجاوز صراع الغرب مع الدولة المصرية فدخل مرحلة ما يمكن أن نسميه اللعب على المكشوف، وعلى الرغم منه صار على السيسى أن يضطلع بدور لابد أن يقوم به، وتم ترجمة هذا الدور إلى أفعال معلنة، فحين يصدر عن واشنطن تهديدات بقطع المعونة يتوجه السيسى بصفته وشخصه إلى روسيا ويتمم عقد صفقة أسلحة، فتفسر واشنطن الفعل بأن مصر عادت لسياسة تنويع مصادر التسلح التى انتهجها القائد السالف عبد الناصر.. وحين يناوئ صندوق النقد الدولى فى منح مصر قرض هى فى أمس الحاجة إليه حتى لا تختنق وتعجز عن توفير الحاجات الأساسية للشعب المصرى، يبادر الأشقاء العرب الذين استردوا الثقة فى القيادة المصرية ويمنحوا مصر ما تحتاجه من مساعدات عاجلة..
ويسأل كتّاب أمريكا والغرب: وماذا أيضًا فى جعبة السيسى؟! وقد كشف ما يستدعى انزعاج دوائر صناعة القرار فى بلادهم، ويخرج أيضا من الغرب ما يفضح مخططاتهم وما يدور فى رأس راسمى سياسات المافيا ولصوص الرأسمالية العالمية، وفى هذا الصدد أنصحكم بقراءة مقالات «بول كريج روبرتس» السياسى ورجل الاقتصاد القادم من قلب الدولة والنظام الأمريكى ليفضحه ويعريه.
(4)
وبشىء من التفصيل فالذى يزعج الغرب أن السيسى يدعو فى كلامه وبرنامجه الانتخابى إلى ما يلمح للخروج من الدائرة الجهنمية المتمثلة فى المؤسسات المالية التى تدير الاقتصاد العالمى ومنها المؤسسات المانحة مثل صندوق النقد الذى يفرض على دول الجنوب الفقيرة (كما هو فى الحالة المصرية) شروط مقابل منحها القروض ورفع الثقة النظرية فى اقتصادياتها، وهذه الشروط تتضمنها برامج التثبيت والتكيف الهيكلى ويتم الترويج لها على أنها برامج إصلاحية سوف تقضى على اختلالات الاقتصاد للدول الفقيرة وتعالج مشكلات الفقر والبطالة بل وتقود هذه الاقتصاديات للنمو والانطلاق وبالتالى لا مفر منها لأن اللجوء لبدائل أخرى معناه فرض العزلة على هذه البلدان والتخلى عن مساندتها.
وتنفيذ هذه الشروط التى كان يحددها ويفرضها الصندوق والبنك الدوليان على نظام ما قبل 25 يناير 2011 هو الذى أنتج الأوضاع والظروف التى قادت إلى الثورة وهو الذى كان سيقود فى حال عدم قيام الثورة إلى إسقاط الدولة المصرية بعد إضعافها إلى أكبر حد ممكن.
والآن يأتى السيسى يرفع شعار عودة الدولة مدعومة بالمؤسسة العسكرية التى هى ليست فقط مستعدة ولكن قادرة على تنفيذ آليات سريعة تعالج الأزمات التى تهدد حاجات المصريين الأساسية وتبحث عن بدائل أخرى داعمة بعيدًا عن الغرب.
وهذا بالطبع شىء مزعج جدا للغرب، ولكنه على العكس من ذلك بالنسبة للداخل المصرى، وعلى مستوى كاتب هذه السطور، فطموحى أكثر من عربة المطافئ التى سوف تتدخل مباشرة للإنقاذ وإطفاء الحرائق، فما أريده هو وضع نظام مستقبلى للأمان.. مشروع متكامل الأركان..
وهذا حديث آخر.