على فكرة أنا مش إخوان

“على فكرة أنا مش إخوان” .. عبارة يرددها مجموعة من الأشخاص سواء كانوا ممن ينتمون للجان الإليكترونية لجماعة الإخوان المسلمين، أو كانوا بعضا من مؤيدي التوجهات الإخوانية على مستوى الممارسة السياسية والفعاليات الشارعية، وتُقال هذه العبارة بهدف إظهار الحيدة والموضوعية من طرف القائل حتى يلقى قبولا ولو جزئيا من طرف المتلقي، ويكون ذلك فى الغالب عندما يحتدم نقاش بين طرفين أحدهما إخواني الانتماء أو الهوى، وبين طرف آخر مدعوم فى توجهاته بسوء الإدارة الإخوانية من جانب وتفاقم الأحوال المعيشية للشعب من جانب آخر، ويظن قائل العبارة بعد أن يُفرغ ما عُبئ به رأسه أو نفسه من طرف الجماعة، أنه بقول هذه العبارة سوف ينجح فى خداع الآخرين أنه لا يقولها تحيزا أو حبا أعمى للجماعة أو لرئيسها القابع خلف أسوار قصره، بل بحثا عن الحق وابتغاء المصلحة العامة.
ويمكن أن نستنتج من هذه المقولة وحدها – ناهيك عن غيرها من المقولات والتصرفات – عدة دلالات، وعلى رأسها:
1- أنه أصبح ذكر أية معلومة أو وجهة نظر مصحوبة باسم جماعة الإخوان المسلمين، أو تحمل تأييدا لتوجه من توجهاتها، يُفقد هذه المعلومة أو وجهة النظر مصداقيتها لدى المتلقي أيا كان. ولم يأت هذا من فراغ إطلاقا، بل نتيجة لكثرة الوعود التي أطلقتها الجماعة ولم تحقق منها شيئا تقريبا، فوعدت الجماعة ممثلة فى الرئيس وأخلفت أكثر من مرة، فلم تزل تكذب وتتحرى الكذب حتى صنفها الشعب فى خانة الكذب، فقد هال المواطن حجم الخداع الذي مارسته الجماعة طوال الفترة الماضية، وثبت لديه بالدليل القاطع أن توجهات الجماعة التي ترفع شعار الإسلام منذ ما يزيد على الثمانين عاما لم يتجاوز نطاق الشعارات الانتخابية. وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن ثمة سقوطا مدويا للجماعة ونظامها الناشئ على المستوى الشعبي، فقد فقدت الجماعة ونظامها السياسي المصداقية بسرعة غير مسبوقة فى تاريخ الأنظمة المصرية على الأقل، وهذا ما يجعل فشل الجماعة فريدا من نوعه!
2- أن القائل نفسه سواء كان منتميا أو محبا أو مؤيدا للجماعة – أيا كان درجة تصنيفه والتي بناء عليها تتوقف درجة ولائه وقناعته بأطروحاته – لم يعد واثقا فى قدرة خطاب الجماعة على التأثير العاطفي فى المتلقي، ناهيك عن إقناعه عقلا، حيث افتضح أمر هذا الخطاب وتناقض علنا مع الموضوعية، فلا موضوعية لخطاب نظام حاكم ما لم يكن مدعوما بآثار واقعية على الأرض يستشعرها المواطن المنهك، أو على الأقل وجود مشروع قومي يلتف حوله الجميع فى انتظار جني الثمار ولو بعد حين. ونظرا لانتفاء الموضوعية عن الخطاب الإخواني، يستشعر المروج لهذا الخطاب أنه فى حاجة إلى إعلان عدم الانتماء له لكسب بعض التعاطف أو صبغ ما يقوله بصبغة الموضوعية أملا فى أن يلقى بعض القبول من أطراف ثبت لها بالأدلة القاطعة أن الجماعة تسير نحو التمكين وأن خطابها بأكمله ليس سوى ممارسات تبريرية لتمرير عملية التمكين.
3- أن هذه الحالة من التخفي وربما الإعلان الظاهري للتبرؤ من الانتماء للجماعة، من الوارد أن تنعكس سلبا على قناعة قائلها نفسه، خاصة جيل الشباب داخل الجماعة، وبشكل أكثر خصوصية واحتمالية لدى المنتمين الجدد للجماعة أو حزبها بعد ثورة يناير؛ لأن الانتماء لجماعة أو حزب أو فكرة .. الخ، يحتاج إلى دعم دائم بالمصداقية، خاصة أن المصداقية – حتى وإن كانت زائفة فى الحقيقة – هي التي تقوم بعملية شحن الأعضاء بالقدرة على الاستمرار فى الإيمان بالفكرة، لكن أن يقوم أو يُطْلَب من المنتمي للجماعة، إعلان عدم انتمائه لها، فهذا بحد ذاته يعني أن من يعلن أنه لا ينتمي للجماعة لن يكون بمكنته إقناع غيره بفكر الجماعة، ناهيك عن إقناعه بالانضمام لصفوفها، التي أعلن أنه ليس من بين أعضائها. وبذلك تكون الجماعة مهددة من حيث قناعة الشارع بها، ومن ناحية أخرى مهددة من الداخل، حيث أن الترويج للأفكار مع إعلان التبرؤ من الانتماء يترك أثرا فى النفس ربما تظهر آثاره على المدى البعيد حتى لدى من تربى على فلسفة السمع والطاعة.




