في ستينيات القرن الماضي، تعرضت جماعة الاخوان المسلمين، لواحدة من أشد المحن التي عاصرتها منذ تدشينها، والتي دخل على إثرها قادة الجماعة السجون، حيث عُذب البعض، واعدم البعض الأخر.
تزامن التنكيل مع محنة أخرى كانت أشد وطأة على مستقبل الجماعة تمثلت في تسرب أدبيات التكفير إلى فكر الجماعة، بعد انتشار فكر الاستاذ سيد قطب بشأن جاهلية المجتمع، والتركيز على مبدأ الحاكمية.
هنا تتجلى قيمة المستشار حسن الهضيبي، الذي تنبه مبكرا، وتصرف بما تقضتيه مسؤولية قيادة أكبر جماعة في العالم العربي، وأنقذ الحركة الإسلامية عموما، وجماعة الاخوان على وجه الخصوص، من “شرك” التكفير، وذلك بعد أن وضع أو أشرف بنفسه على كتاب “دعاة لا قضاة”.
شجاعة الاستاذ الهضيبي، وقيمة “دعاة لا قضاة”، أنه لم يمنع فقط ابتعاد الجماعة عن فكرها الوسطي، ولكن وهو الأهم، رد الجماعة إلى سابق وضعها الذي أراده الشيخ حسن البنا، خصوصا وأن الفكر القطبي، كان سيضعها بلا شك في مواجهة المجتمع الجاهلي.
…
قام الاستاذ الهضيبي، بهذا الجهد وهو قيد اغلال السجن ومعه كل أعضاء مكتب الإرشاد، بصورة تتشابه عما تعانيه الجماعة حاليا، حيث التنكيل والمصادرة، والملاحقة، كما لو أن التاريخ يعيد نفسه، لكن كان للجماعة وقتذاك “رصيدا عقلانيا” أنقذها وأنقذ آلاف من شباب التيار الإسلامي.
ما أخشاه على جماعة الاخوان المسلمين – التي طالما كانت رمانة ميزان للفكر الوسطي، بعيدا عن غلو السلفية، وانحرافات الجماعات التفكيرية- أن وطأة المحنة، تذهب بشبابها في فضاءات الغلو تحت مسميات الانتقال من الفكر الاصلاحي إلى الفكر الثوري.
للأسف من خلال بعض الاحاديث مع اصدقاء كثيرين من شباب الاخوان، بدأت الحظ بعض ملامح هذا الفكير الغريب على الجماعة، بشأن جاهلية المجتمع/عبيد البيادة، وهو بتقديري قد يكون أشد خطرا على مستقبلها من بطش العسكر وجبروت الشرطة.
قد تكون مقالتي، هواجس مبالغ فيها، أو “فذلكة” لا لزوم لها، لكن ما تعلمناه أن معظم النار من مستصغر الشرر.
والله سبحانه من وراء القصد.