أخبار عاجلةثقافة
راوية المصري تكتب.. من يهز الكيس؟

كتبت – راوية المصري *
يحكى أن رجلا كان يمتهن اصطياد الفئران، فيجمعها في أكياس ليبيعها إلى مراكز الأبحاث. وفي أحد الأيام، استقل حافلة متوجها إلى المدينة، ووضع كيسه بين قدميه وجلس بهدوء.
لفت انتباه أحد الركاب أمر غريب. كان الصياد ينحني بين حين وآخر، يهز الكيس بعنف، ثم يضربه بيده، ويكرر الأمر كل فترة.
لم يستطع الراكب كتم فضوله، فسأله. لماذا تضرب الكيس؟ ماذا يوجد بداخله؟
ابتسم الصياد وقال.
عشرات الفئران. ولو تركتها هادئة فترة طويلة، ستكتشف أنها محاصرة، وقد تتوقف عن الاقتتال فيما بينها، وتبدأ بالتعاون لقضم الكيس وصنع ثقب تهرب منه جميعا. وحينها سأخسر كل ما جمعته.
لذلك، كلما شعرت أنها بدأت تهدأ، أهز الكيس وأربكه. فتظن الفئران أن الخطر يأتي من بعضها، فتعود إلى مهاجمة بعضها بعضا، وتنسى أن المشكلة الحقيقية ليست في الفأر الذي بجانبها، بل في الكيس الذي يحاصرها.
قد تبدو الحكاية بسيطة، لكنها تحمل سؤالا أكبر من حجم ذلك الكيس.
كم مرة ننشغل نحن أيضا بالاقتتال فيما بيننا، بينما لا نلتفت إلى من جعلنا نعتقد أن عدونا هو الشخص الذي يقف إلى جانبنا؟
كم مرة نستهلك أعصابنا في جدالات لا تنتهي، وننقسم حول قضايا تافهة، ونتحول إلى خصوم بسبب اختلاف في الرأي أو الطائفة أو الانتماء، بينما تبقى القضايا التي تمس حياتنا الحقيقية خارج دائرة السؤال؟
ليس كل خلاف مؤامرة، وليس كل أزمة صناعة متعمدة، لكن المؤكد أن الفوضى تصبح أكثر فائدة لمن يريد أن يبقى الناس منشغلين ببعضهم عن الأسئلة الكبرى.
فحين يتحول الاختلاف إلى كراهية، يصبح من السهل أن ننسى من يملك القرار. وحين يتحول النقاش إلى تعصب، يصبح من السهل أن نصدق أن المشكلة في الآخر، لا في الواقع الذي يجمعنا جميعا. وحين نغرق في معارك صغيرة، قد لا ننتبه إلى أن أحدا ما يواصل بناء مصالحه بعيدا عن ضجيجنا.
لذلك، الوعي ليس أن تصرخ أعلى من الآخرين، ولا أن تنتصر في كل جدال، ولا أن تكره من يختلف معك. الوعي أن تتوقف أحيانا وتسأل. من المستفيد من هذا الانقسام؟
أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يختلف مع غيره، بل أن يفقد القدرة على التفكير وهو يختلف.
فلا تكن فأرا يقاتل الفأر الذي بجانبه، وينسى أن هناك كيسا يحاصرهما معا. افتح عينيك قبل أن ترفع صوتك، وفكر قبل أن تنحاز، وابحث عن الحقيقة قبل أن تبحث عن خصم.
فالوعي لا يعني أن تشك في الجميع، بل أن لا تثق بأحد ثقة عمياء، ولا تعادي أحدا بسبب ما قيل لك عنه.
وفي عالم يزداد فيه الضجيج، قد يكون أكثر الناس وعيا هو ذلك الذي يعرف متى يتوقف عن الصراخ، وينظر حوله ليسأل.
من الذي يجعلنا نتقاتل، بينما يواصل هو السير بهدوء؟
*كاتبة لبناية
اقرأ أيضًا:



