أخبار عاجلةرأي وفكر

د. نجيب عثمان أيوب يكتب: حي مصر الجديدة رمز حضاري خَامَرَ ضمير المصريين والعرب لـ120 سنة

بقلم : أ. د نجيب عثمان أيوب
أستاذ الأدب العربي ونقده، بجامعة حلوان

يعد حي مصر الجديدة، الذي عُرف قديمًا بـ”هليوبوليس” من أرقى وأهم أحياء القاهرة القديمة والمعاصرة، ويزخر بتاريخ عمرُه أكثر من 120 عامًا، جمع فيه بين الرؤية التخطيطية الحديثة، والطابع المعماري الأوروبي، والبصمة الثقافية الشرقية الإسلامية المتفردة، مما جعله حاضرًا وبارزًا في الذاكرة الوطنية، وضميرًا فاعلا في العمارة وفي الثقافة والدراما المصرية.

د. نجيب عثمان أيوب يكتب: حي مصر الجديدة رمز حضاري خَامَرَ ضمير المصريين والعرب لـ120 سنة 5

فخلال هذا الأسبوع من شهر مايو (أيار) وبمناسبة مرور 120 عاما على إنشاء هذا الحي العامر الزاخر، ومشاركة منا لذويه وقاطنيه من المصريين وغيرهم، والذين يذوبون عشقًا في جنباته الزاهرة، كان جديرًا بنا أن نكتب نبذة سريعة عن هذا الحي، كي يظل حيًا نابضًا في ثنايا ضمير مصر الثقافي والأدبي والفني، وتظل صورتُه مشرقةً في مخيلة أجيال المصريين التوَّاقين في حب أرض بر مصر عموما، ومصر الجديدة على وجه الخصوص.

تأسيس حي مصر الجديدة

تأسس حي مصر الجديدة عام 1905م على يد البارون البلجيكي (إدوارد إمبان) في عصر الخديوي عباس حلمي الثاني، كمدينة متكاملة شمال شرق القاهرة.، في واجهة مشرقة في جبين القاهرة الشمال شرقية.
أُنشئت مصر الجديدة وفق الطراز الأوروبي المعتمد على الشوارع الواسعة، والمسطحات الخضراء، والحدائق الغنّاء، والميادين الفسيحة الشعاعية، التي تتلاقى فيها شوارع الحي متصافحة عند نوافير المياه الرقراق، وكأنها تُبرمُ عهدا يربط بين جنبات الحي من جهة، ويصلها بالأم القاهرة العتيقة من جة ثانية.

تخطيط عمراني فريد

تميز التخطيط بوجود محاور رئيسية انسيابية خلابة للأفئدة، مثل شارع الأهرام، وشارع النزهة وغيرهما الكثير من الشوارع الشهيرة، وظل الترام الكهربائي لعقود طويلة يقطعها مزدانًا مزهوا في رحلات مكوكية ليربطها بالقاهرة الخديوية الأم.

د. نجيب عثمان أيوب يكتب: حي مصر الجديدة رمز حضاري خَامَرَ ضمير المصريين والعرب لـ120 سنة 6

لقد أبدع المُخطط الذي تصور بخياله الرحب، وأسس بعزيمته القوية، وتصور بذائقة المعمارية الفائقة، التي سبقت عصرها بكثير، ليضع لبنة مدينة ما زالت في أوليات المدن الخلابة للألباب الخاطفة للأبصار عالميا، كانت الرفاهية بجوار الوظيفة الخدمية السكانية الاجتماعية متلازمتين، في اعتبار المخطط والمؤسس وبين عينيه، فامتزجت الطُرُزُ الأوروبية مثل: (الآرت ديكو والآرت نوفو والإسلامي المملوكي والمغاربي) ليشكل الحيُ طابعًا معماريًا فريدًا، وبانوراما تعرض قصة الحضارة التي مرت بها المحروسة عند بذوغ فجر تاريخها الحديث والمعاصر، فكان
قصر البارون، نموذجًا معماريًا هنديا،

وتجلى نسق فلاتها وعمائرها، بطراز يجمع بين الراحة والجمال، وما زال حتى اليوم محتفظًا بجماله الأخَّاذ، حتى اتُخِذَ أثرًا معماريا تحافظ عليه هيئات الآثار والثقافة المصرية، ليحظى بحمايته من الاندثار.

المعالم الدينية والروحانية

ولم يخلُ حي مصر الجديدة من المعالم الدينية الروحانية والفنية والترفيهية، فمسجد الخلفاء الراشدين بشارع الأهرام مثلا، بطراز فاطمي مملوكي، الذي يمثل تحفة معمارية وفاظةً جمالية، ومنارةً روحانيةً تشع سكينة وطمأنينةً في أرجاء المكان بأصوات الآذان العذبة.
لتعانقه كنيسة البازيليك، التي دُفن بها البارون إمبان نفسه، بطراز روماني بازيليكي. قمة في الجمال المعماري الأيقوني، ذي الدلالات التاريخية المعبرة.

علاوةً على ما يحمله قصر البارون كمتحف أثري وسياحي يعرض تاريخ الحي بصمود، رغم ما صنعته فيه الأيام، بجوار قصر العروبة الذي أتُخذ فيما يُعد (أحد القصور الرئاسية) وقصر السلطانة مَلَك ذو الطراز المملوكي الرصين.

ومن المعالم الترفيهية فيه:

  • نادي هليوبوليس، أحد أقدم الأندية المصرية وأكثرها عراقة، وسينما نورماندي وسينما هيليوبوليس (سابقًا).
    ومن شوارعها الزاهية الزاخرة الرحيبة المزهرة:
  • شارع بغداد، أحد أبرز شوارع التسوق والمقاهي الثقافية، ذو الدلالة القومية العروبية الناطقة.

وعلى مر تاريخ مصر، كان حي مصر الجديدة رمزًا للرقي والتَمَدُّن، والرواج الفكري والأدبي والفني، ففي العصر العَلَوي الملكي كان محط أنظار وموطن سكنى للنخبة الأرستقراطية المترفة.
وفيما بعد ثورة يوليو، أصبح جزءًا من رموز الدولة الحديثة، فضم قصر الرئاسة واستمر كمقر للصفوة الاجتماعية والسياسية والثقافية، واستراحة للوافدين من السُيًّاح الأجانب والدبلوماسيين.
وخلال حِقب السبعينيات والثمانينيات استمر حي مصر الجديدة جاذبًا للمثقفين والفنانين ورجال الدولة، وكبار رجال الأعمال.
وحتى اليوم يعتبر من الأحياء التاريخية المخططة بدقة، ويشهد جهودًا للترميم وإعادة الاعتبار ليتخذه جمال عبدالناصر محلَ إقامةٍ رسميًا في قصر الطاهرة.

د. نجيب عثمان أيوب يكتب: حي مصر الجديدة رمز حضاري خَامَرَ ضمير المصريين والعرب لـ120 سنة 7

واستخدم كل من أنور السادات وحسني مبارك قصر العروبة، مقرًا رئاسيًا خلال عصريهما. ولم يقتصر الارتياح والتفضيل لمصر الجديدة على النُخب والزعامات السياسية فحسب، بل كان جاذبا للكُتَّاب والأدباء والمثقفين المبدعين، منهم:

  • يوسف إدريس، الكاتب المعروف، الذي سكن هذا الحي وكتب عن حكاياته.
  • وثروت أباظة، الأديب والنائب البرلماني المعروف، ونجيب محفوظ وإن كان لم يسكن مصر الجديدة، لكنه ذكره في بعض أعماله كرمز للطبقة الأرستقراطية
  • ومن الفنانين كان الأستاذ عبدالحليم حافظ، الذي أقام فيه فترة طويلة.
  • والفنانة فاتن حمامة، والفنانة وليلى مراد، التي قضت سنوات من عمرها في شارع بغداد.

وتحتل صورة هذا الحي من الضمير الثقافي والأدبي والفني المصري مكانا عظيما، ما زال مشعا في مخيلة الدراما المصرية، وتسري روحه في ثنايا الفلكلور المصري بعبقه الفواح.
فقد ظهر حي مصر الجديدة في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية كرمز للأناقة والصفاء المدني، مثل أفلام فاتن حمامة وشادية، ومسلسلات حديثة مثل (جراند أوتيل) الذي صُوّر في أحد فنادقه. كما يمثل حي مصر الجديدة في الأدب منطقةً للصفوة والبرجوازية، وفي بعض الأحيان ساحة لصراع الطبقات كما عند يوسف إدريس ورضوى عاشور في سردياتهما الروائية. وفي الشعر، يُذكر كرمز للتحضر والحنين إلى زمن الرفاهية الأرستقراطية، كما في بعض قصائد أمل دنقل وفاروق شوشة.
فمصر الجديدة إذن تُعَدُّ رمزا حضاريا،

وحيُ مصر الجديدة ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو رمز حضاري وثقافي اختلط فيه المعمارُ بالتاريخ، والسياسةُ بالفن، والثقافةُ بالآداب، والتَدَيُّنُ بالتنوير، والحداثةُ بالأصالة. وعلى مدى 120 عامًا، ظل هذا الحيُ مرآةً للتغيُّرات الاجتماعية والسياسية والثقافية في حياة مصر والمصريين، ومن ثَمَّ يستحق أن يُدرج في قائمة التراث الثقافي الوطني كموقع حضاري ذي قيمة استثنائية سمينة وعبقٍ تاريخيٍ يفوح أصالةً وطموحا يضارع كل جديد، حتى ما تم إنشاؤه من مدن حديثة وذكية حول القاهرة العتيقة، لم تزحزحه عن مكانته التي تربع عليها منذ تأسيسة، ولم تختطف أضواءه المتألقة. حمى الله مصرَ الجديدةَ، وحفظ مصرنا الكبرى حرةً وفتيةً وضاءة آمنةً في داخلها ومِن حولها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى