حينما يكون الاعلام بلا ضمير !

“أعطني اعلام بلا ضمير اعطك شعبا بلا وعي” هكذا قال جوزيف جوبلز وزير الاعلام الالماني في عهد ادولف هتلر .
وبرغم من الاتهامات التي طالت جوبلز الا انه – من وجهة نظري – يعد اول من أنصف الاعلام حين دلل بهذه الكلمات على اهمية الاعلام في تشكيل وعي الامة وبناء الضمير الجمعي للمواطنين.
فالاعلام في الاصطلاح هو عملية نقل الخبر أو وجهة النظر أو كليهما من طرف إلى طرف آخر وهناك اشكال متعددة للاعلام منها نقل الخبر بهدف الرغبة في نقله، واستجابة لرغبة المستمع دون هدف اخر، وهذه الصورة هي الدارجة في التعاملات العادية، وهي نادرة في وسائل الأعلام الحديثة بشكل عام.
وبالنظر الي ما هو حادث في الاعلام المصري نجد ان الشكل الاكثر انتشارا هو نقل خبر حدث فعلاً وتوظيفه لخدمة جهة معينة من خلال تحليله بما يتناسب وتوجهات تلك الجهة ،كما نلاحظ قيام بعض وسائل الاعلام بافتعال حدث معين من خلال تهيئة الظروف الموضوعية للتصديق به ومن الطبيعي أن يكون وراءه هدف تتوخاه الجهة الناقلة ويتم نفي الخبر إذا لم يحقق أهدافه أو انتفت الحاجة له، وهذه الصورة موجودة بكثرة في كثير من وسائل الإعلام الحديثة ايضا .
اما اخطر صور الاعلام فهي نقل صورة كاذبة عن الواقع، وذلك لتغييره أو الحصول على مكاسب معينة أو الضغط على جهة معينة من خلال التحليلات والتقارير، أو الأفلام والمسلسلات في محاولة لتغيير واقع موجود، وفرض واقع جديد، من خلال الضغط الإعلامي المكثف المؤيد لوجود الواقع المفتعل.
الا ان السمة المميزة للاعلام المصري هي الاستقطاب الذي قد يصل الى حد التطرف .
هذا الاستقطاب ادى لحدوث انقسام واضح في المشهد الاعلامي ادى الي تصنيف الوسائل الاعلامية و العاملين فيها بحسب مواقفهم من القضايا التي يؤيدها او يعارضها المتلقى ليصبح الخيار المتاح هو اما مع او ضد فكل ما يتفق مع افكاري وارائي فهو صحيح مائة بالمائة وكل ما عدا ذلك فهو محض افتراء وتلفيق.
الخطير في هذا الامر ان المتلقي يستسلم بشكل تام يشبه التنويم المعناطيسي لاي خبر ياتي من المصدر الاعلامي الذي يتبنى وجهة نظره حتى وان كان هذا الخبر غير قابل للتصديق فيكفي ان قناة كذا هي من اذاعته او ان المذيع فلان هو من قاله وبالمفهوم المعاكس يرفض المتلقى اي خبر او معلومة قادمة اليه من المصدر الذي يمثل وجهة نظر الطرف الاخر مهما كان هذا الخبر حتى لو كانت واقعة وحقيقية ماثلة امام العيون سيجد الف مبرر للتشكيك فيها.
هذه الحالة من الاستقطاب تذكرنا بتجربة الانظمة الشمولية التي كانت تفرض وجهة نظر واحدة على المواطنين ، الفرق الوحيد في وجهة نظري ان الانظمة الشمولية كانت تفرض وجهة النظر الاحادية بالقوة ومن خلال الرقابة الصارمة على الاعلام اما الان فان المواطن هو من يفرض على نفسه هذه الحالة الاحادية حين يصم اذنيه عن كل ما يأتي من اعلام الطرف المخالف لوجهة نظره.
ما يزيد الامر تعقيدا وخطورة هو ان كل معسكر فيه متطرفين ومتشددين يبثون افكار تفرق لا تجمع وتهدم لا تبني وكل واحد فيهم يحتكر الحقيقة ويعتقد انه وحده هو من يقول الحقيقة وهذا اخطر على مصر من اي حرب خارجية ممكن ان تتعرض لها.
نحتاج الي ميثاق شرف اعلامي تلتزم به الدولة واجهزتها الرسمية قبل ان تلزم به الاعلام الخاص ، هذا الميثاق الذي كثر الحديث عنه دون ان نراه يجب ان يتضمن اجراءات حاسمة تجاه الجهات والوسائل الاعلامية التي تروج اشاعات او اخبار كاذبة او لا تراعي قواعد الحياد والموضوعية في عملها .
ولا يجب ان يخشى اي منا من هذه الاجراءات فهي في جميع الاحوال ستكون افضل من وجهة النظر الاحادية التي حصرنا انفسنا فيها خلال السنوات الثلاث الماضية.



