ثقافة

مُهمَلات .. قصة قصيرة تأليف السيد فهيم

مُهمَلات .. قصة قصيرة تأليف السيد فهيم 3” بريزة ” ..هكذا خرجَ إلي الدنيا فوجدَهم ينادونَه بهذا الاسم . لم يفكرْ يوما في سبب إطلاقه عليه ، أو حتي في معني الاسم ، بل ولم يخطرْ بباله يوما أن يسألهم عن اسمه الحقيقي .
ولماذا يشغلُ بالَه بمثلِ هذه الأمورِ التافهة ؟!
ماذا يعنيه إن كان اسمه “بريزة ” أو حتي “دولار” ما دام يأكل ويشرب وينام ؟! ربما يختلف الأمرُ فيما بعد ، عندما يكبر ويصبح شابا يافعا . حينئذ قد يفكر في تغيير الاسم ، أو علي حد قوله “تجميده” ليصبحَ شابا من فئة الجنيه ، أو العشرة جنيهات .
من يدري!
فقد كان طفلا طموحا للغاية وذا خيالٍ واسع . لذلك تميز عن باقي إخوته وتفرد عنهم جميعا . ففي عُرف عائلته العريقة – لا أعتقد أنها من العراقة ، ربما من العرق !- لابد لأي فرد في العائلة أن يخرج لدنيا العمل حينما يبلغ الثالثة من عمره ، لكن صاحبنا “بريزة” فاق الجميع ونبغ عنهم ، فقد خرج للعمل حينما بلغ عامه الأول . ليس هذا فقط ، بل خالف إخوته في طبيعة العمل ذاته . فلم يعمل مثلا كأخيه الأكبر متسولا ، أو كأخته الوسطي ، والتي كانت تتسول أيضا ولكن بطريقة أكثر حنكة وحرفية ، فقد كانت تتنقل في الحافلات والقطارات توزع بعض الآيات القرآنية علي الركاب ثم تقوم بجمعها ثانية بعد جمع ما يجود به الركاب . وإذا طمع أحدهم أو سولت له نفسُه الاحتفاظ بالآية القرآنية تعنفه وتلومه أشد اللوم ، وربما سبته ونعتته بأقبح الصفات ، ثم تنزعها من يده وتفر هاربة ، وهكذا لا تنقص بضاعتها في حين يزداد ربحُها .
أما عن ” بريزة ” والذي بلغ من العمر الآن الخامسة وبضعة أشهر ، فقد وجد لنفسه عملا فذا ، هو أقربُ للهواية منه إلي العمل ، ألا وهو التلقيط .
معذرة لست أعني نشالا والعياذ بالله ، أو لصا أو نصابا ، بل كما قلت هو عمل فذ أقرب للهواية .
فقد كان مغرما بالتجول وسط أكوام القمامة والنبش في سلال المهملات . فرغم صغر سنه إلا أنه كانت له مبادؤه . فما كانت كرامته ولا كبرياؤه يسمحان له بمد يده والتسول كأخيه الأكبر ، و ما كانت أخلاقه تقبل أن يكسبَ قوته بالحيلة كأخته . ولكن عمله هذا كان يرفعه لأسمي الدرجات .

فالفائضُ عن حاجة الناس يؤول إليه بالحسني ، بل وبكل ترحيب . فمن منهم لا يرغب في التخلص من مخلفات بيته ؟! والمُهمَلُ عند الناس يكون في يده مفيدا ، وذا أهمية كبيرة . كانت له نظرة خبير في أنواع المخلفات والمهملات . فكل حي له قمامته بخصائص محتوياتها ، بل وكل شارع له ميزته . وعلي هذا الأساس كان يقسم يومه وينظم جدول أعماله .
فمثلا كان يستهل يومه بزيارة لأحد الأحياء الراقية حيث اعتاد أن يتناول إفطاره مما تحويه سلالُها من بقايا طعام . فسكان تلك المناطق لا يأكلون حتي يشبعون وليست لديهم خاصية مسح الصحون . فهم – علي نقيض سكان الأحياء الشعبية – أطباقهم زاخرة بما لذ وطاب ، في حين لا تنال بطونهم منه إلا القليل . والفائض يكون من نصيب سلال المهملات ومنها بالطبع إلي فم القناص ” بريزة ” .
ليس معني هذا أنه كان ” يرمرم ” – حاشا لله – بل ما كانت عينه تتطلع ، أو يده تمتد إلا علي الطعام المعلب في علب أو مكيس في أكياس مغلقة بل وطازجة تصلح للآدميين . وحرصا منه علي شرف المهنة لم تكن عينُه تزوغ إلي طعام رفاقه من القطط والكلاب الضالة .
في ذلك اليوم فرغ ” بريزة ” من طعامه ثم اتجه بعد ذلك إلي باقي الأحياء كي يزاول مهنته كالمعتاد . كان دائما يبحث بهمة ونشاط وإخلاص في العمل ، لذا كان دائما موفقا ، فما كان يرجع الا ومعه جهاز معطل ملقي بين المهملات يستخلص منه بعض الأجزاء ليبيعها الي إحدي الورش كقطع غيار . أحيانا أخري يلتقط أحذية قديمة أو ملابس بالية . وكل شيء له استخدامه وله سوقه .
ظل طوال اليوم يبحث في سلال القمامة ، ويتجول في الأحياء المختلفة ليضع في جرابه القماشي الصغير ما يجده من غنائم . إلي أن وصل إلي أحد مقالب القمامة وكان قد أنهكه التعب ، وأضناه النصب ، فجلس علي تل ترابي مقابل لكومة القمامة كي ينال قسطا من الراحة . وقد كان النهار يخامره الوسن فأخذ يلملم ما تبقي من أشعة الشمس آذنا بالمغيب .
استسلم ” بريزة ” لوسوسة شيطان الخمول . فترك جسده مضطجعا علي التل الترابي ، بينما لازالت عيناه تمارسان عملهما في حرفية ، فأخذتا تنبشان بنظرة الخبير بين تلال القمامة الراقدة عن قرب ، بحثا عن أي شيء قد يُفيد .
لم تطل رقدته ، فقد لفت انتباهه أحد الصناديق المعدنية ، كبيرة الحجم وقد تجمع حولها جمهرة من القطط أخذت تموء في ثورة وهياج كمن ينادي أو يستغيث !!
انتبه معتدلا من رقدته وهو يراقب تظاهرة القطط دون أن يبدي اهتماما ، فإذا بالقطط تنقسم إلي جماعتين ، الأولي ظلت حول الصندوق وكأنها تحرسه بينما اتجهت المجموعة الثانية إلي حيث يقبع بجسده الضئيل فوق التل الترابي .

لم يفزع من وفد الهررة المتجهه صوبه ، فهم رفاق دربه وشركاؤه في بؤسه ، لكنه دهش لموائهم المتواصل في إلحاح عند قدميه !!
أثار الأمرُ فضوله ، وقد فهم ما تريده القطط منه ، فاتجه علي الفور إلي حيث الصندوق المعدني ، وخلفه مجموعة القطط ، فبدا بضألة جسمه وجرابه المعلق حول عنقه ليتدلي من تحت إبطه كقائد يتبعه أنصاره ومؤيدوه في طريقهم إلي ساحة الوغي أو إلي خَطبٍ جلل .
ما إن اقترب من الصندوق حتي أفسحت له مجموعة قطط الحراسة الطريق ليتقدم في حذر ، أطل برأسه الصغير داخل الصندوق ، اتسعت حدقتاه محملقا في دهشة ، ثم ارتد فزعا ، ليخرج رأسه من الصندوق وقد شحب وجهُه وزاغت عينه . تأمل القطط بدهشة ، فبادلته نظرات الرجاء وأخذت تموءُ في توسل .
عاد مترددا ليلقي نظرة حائرة داخل الصندوق ..
ليطالعه ذلك الوجه الباسم في براءة ؟!!
دارت رأسه من الحيرة ، فقد اعتاد أن يكون لكل شيء يجده وسط القمامة فائدة . لكن ما فائدة هذا الشيء؟!
ماذا يصنع بطفل رضيع لم يبلغ يوما من عمره؟!!
كان الرضيعُ ملفوفا بخرق متواضعة ، ومُلقي وسط الصندوق محاطا بالقمامة والذباب والهوام ، وأسراب النمل .
تردد السؤال مرارا في رأس ” بريزة ” :
ماذا يصنعُ بهذا الشيء ؟! فهو لا يصلح أن يفكك الي قطع غيار أو يباع مثلا ، فكل شيء له ثمنه إلا البشر . وهو لم يعتد أن تمتد يده لشيء غير ذي قيمة .
حسم أمره ملتفتا بغضب إلي تلك القطط الشقية التي دعته إلي هذا الشيء التافه ، فاستدار موليا ظهره للصندوق مزمعا الرحيل ، فإذا بالرضيع يشيعه ببكاء حار ، تردد وهلة ثم رفع رأسه في حسم وأكمل طريقه .
علا صوتُ الرضيع في بكاء متواصل ، فخُيل إليه أنه لم يعد يسمع في الكون سوي صوت بكاء الطفل ، لولا أن ساندته القطط بمواء أشبه بالعويل في ضجيج لم يصادف له مثيلا .
فاستشاط غضبا ، دق الأرض بقدمه الصغيرة في قوة ثم استدار مواجها ذلك الرضيع اللحوح الذي يصر أن يعطله عن متابعة عمله ، لوح بيده في ثورة وحنق صارخا في وجهه :
– عايز إيه ؟ .. أنا كنت خلفتك ونسيتك ؟! .. ما تشوف اللي رماك الرمية السودة دي .
فإذا بالرضيع يكف عن البكاء وكأنه سعد بعودة ” بريزة ” الذي استرسل في غضب :
– فين أهلك ؟!
وكأن الرضيع وعي سؤاله ، فعلت وجهه – الذي لم تحدد ملامحه بعد – حمرة ، بل زرقة الكمد ، وارتفع صوته بالبكاء من جديد .
هنالك امتدت يد ” بريزة ” بتلقائية لتربت علي صدر الرضيع في حنو محاولا تهدئته وهو يقول :
– بس .. بس .. خلاص .. هاتعيط ليه تاني ؟ .. إحنا ما صدقنا تسكت .. تلاقيك زعلتهم .. عملت إيه عشان يرموك هنا ؟!
وبالطبع لم يجبه الرضيع . أما بريزة فقد عبس وجهه ، وقال في حزن دفين :
– تعرف ؟! .. أنا برضه زعلت أهلي وأنا قدك كده .. فرموني في الزبالة ، لحد ما أبويا لاقاني ورباني عنده .. هوه مش أبويا .. بس أنا باقوله يا آبا .. في الأول ما كنتش أعرف الحكاية دي .. لحد ما كبرت واشتغلت في حكاية الزبالة .. أول ما عرف هاج في وشي وقال لي انت حنيت لأصلك ولا إيه ؟! .. أصل إحنا لاقيناك في الزبالة .. لو كنت ساعتها لقيت بريزة ، كانت نفعت عنك .. وراح ضاربني وسابني أعيط .. ونمت علي لحم بطني .. ساعتها عرفت انه مش أبويا ..
ثم التفت إلي الطفل متسائلا في حميمية :
– وانت بأه اسمك إيه؟! .. أكيد مش عارف .. أنا هاسميك شلن .. عشان لسه صغير .. وكمان عشان لو كنت لقيت شلن ، كان أحسن منك .. إيه رأيك ؟ .. أنا بريزة .. وانت شلن . بس أنا مش هاقدر آخدك معايا يا شلن .. أبويا يموتني م الضرب .. صدقني هنا أحسن لك .. يمكن حد تاني ييجي وياخدك .
ثم استدار وهم بالرحيل ، فعلا صوت الرضيع مجددا في بكاء . فهتف ” بريزة ” في غيظ :
– يعني أنا غلطان إني عبرتك ؟! .. يا ابني هاتندم لو خدتك معايا .
ولكن ” شلن ” أصر علي موقفه ، فظل يبكي بكاءا متواصلا مصحوبا بدموع غسلت وجهه البائس، فعاد ” بريزة ” وقد تملكته الشفقة من مرأي الطفل ، فقال ملوحا بيديه في استسلام :
– انت حر .. أنا حذرتك يا بن الناس .
قالها وهو يمد يديه الصغيرتين ، ليخرج ” شلن ” من الصندوق ويزيح عن ملابسه آثار القمامة العالقة بها ، وأخذ يربت عليه ويهدهده في لطف ، حتي هدأ الطفل واستكان ، فتح ” بريزة ” جرابه القماشي ووضع الرضيع فيه تاركا رأسه فقط لتطل من فتحة الجراب الذي أسنده بكفه من أسفل حتي لا يسقط الطفل ثم سار به مغلوبا علي أمره ، وقد بدأ الليل في التهام ما تبقي من ضوء النهار . وتفرقت القطط منصرفة في هدوء ، بينما قال بريزة مخاطبا رفيقه الجديد :
– أمري لله .. هاخدك واللي يحصل يحصل .. لحد ما تكبر ونخرج احنا الاتنين ندور علي أهالينا اللي رمونا .. مين عارف .. مش يمكن نطلع اخوات ؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى