أمـل الأصيـل تكتب: (المـــوت فقـــراً) حلقة (1-2)

اختصني الفقر بنصيب وافر منه … بحضور طاغي يملأ ما حولي ويفيض … وبجوار الفقر كان اليتم حليفي منذ كنت طفلة … يتم الأبوين ويتم الحياة التي تغرب فينا … أخي الأكبر وأخي الأصغر لا يقلان بؤساً عني … عشنا أسرة فقيرة تشبع يوماً وتجوع أيام … يمد إلينا أهل الإحسان أياديهم بما يفيض عن حاجتهم ولا يكفي حاجتنا … حتى العطف والحنان كنا نتسولهما من أعينهم.
حاربنا الحياة وحاربتنا إلى أن كبرنا وعمل أخي الأكبر سائق ميكروباص وبدأ يدفع عنا بعمله هذا وحش الجوع الذي كان يتهددنا باستمرار … لكنه لم يلبث أن بدأ يفكر في نفسه وفي حياته التي يتمناها، فقرر الزواج … وسرعان ما جاءت زوجته، فضاق علينا المنزل الضيق.
أخي الأصغر لم يستطع أن يجد له مكاناً في بلدٍ ضاق بنا كما ضاق المنزل وكما تضيق ملابسنا علينا كلما كبرت أحلامنا بداخلها، فإتخذ قراراً بالهجرة … سيذهب لبلدٍ آخر يجد به عمل يعمله وطعامٌ يُشبعه … وربما استطاع أن يُضمد هناك جراح السنين … وأن يتشري لأحلامه ملابس جديدة.
أنا وأخي الأصغر مصابان بمرض السكر .. نحن فقراء ومرضى، ينقصنا فقط الجهل حتى نهلك … لكن الدولة مشكورة قدمت لنا التعليم بالمجان وتعطينا علاج يضمن لنا الحياة … علاج شهري يكفينا عدة أيام … ندخره بحرص لنتناوله عندما نُصبح على مشارف الموت … لأننا ببساطة لا يمكننا أن نشتري الحياة … كل شيء من حولنا له ثمن .. وحده الموت يُقدَم بالمجان.
سافر أخي الأصغر في مركب غير شرعي للهجرة، مصطحباً معه أحلامه وبقايا أمل … أعطيته من دوائي حتى يكفيه في سفره .. كان هذا كل ما يمكنني أن أعطيه … طالت الرحلة في البحر ونفذ منه الدواء فنفذت منه الحياة … مات … كانت رحلته الأولى والأخيرة .. وأمام ميت في مركب غير شرعي وبحر لا نهاية له، لم يكن أمامهم غير أن يُلقوا بجثته في البحر … كان البحر هو القبر الوحيد المُتاح له.
من قصة (الموت فقـراً) لأمل الأصيل – من كتاب أقلام في حضرة الوجود/الإصدار الرابع
(يُتبع في الأسبوع القادم)



