المتابع لمقالات وحديث د. حازم الببلاوى – القطب الليبرالى العتيد – فى نظريات الإصلاح قبل أن يتولى مهامه التنفيذية الوزارية كان يتصور أن صاحب هذا الكلام إذا قُدر له أن يتولى مقاليد التنفيذ يمكن أن يحمل البلاد على ظهر رهوان ليصل بها إلى آفاق الرخاء والتنمية المنشودة.. لكن الببلاوى أثبت إلى حد كبير صدق الحكمة الشعبية عن الجمل، الذى قيل إنه يستطيع أن يطلع النخلة والمغزى من الحكمة أن التنظير أمر سهل يكشف عجز صاحبه الواقع والتجربة العملية.
عمومًا كان الببلاوى رئيس حكومة واحدة من ست حكومات تولت أمور المصريين بعد ثورة 25 يناير 2011 وفى انتظار الحكومة السابعة التى سوف تحلف اليمين أمام الرئيس المنتخب عبد الفتاح السيسى خلال الأيام القليلة القادمة دعونا نسأل عن فرص النجاح والفشل التى ضاعت أو تحققت فى إدارة ملف الاقتصاد فيما سبق وفيما هو آت من أيام. (1)
3 أعوام وعدة شهور تدهورت فيها أحوال الاقتصاد المصرى بصورة خطيرة غير مسبوقة وظهرت نتائجها فى انخفاض معدل النمو الاقتصادى إلى أقل من 1.8%، وهو معدل يساوى أقل من ربع المتحقق فى 2011 وهو العام الأول الذى قامت فيه الثورة، وزادت أيضا معدلات التضخم وهو ما انعكس بوضوح على الأسعار التى عجزت أمامها الأجور المتدنية خاصة فى القطاعات الحكومية (الموظف العام) عن تلبية الحاجات ومتطلبات الحياة اليومية، وارتفعت معدلات البطالة التى نعرف جميعًا أنها تزيد على الإعلانات الرسمية لها والتى تشير إلى 12 مليون عاطل ناهيك عن البطالة المقنّعة، وارتفعت الديون الخارجية ليقترب سقفها الآن من مبلغ الخمسين مليار دولار، وزاد عجز الموازنة حتى وصل إلى 14% من الناتج المحلى الإجمالى وأرقام أخرى مخيفة لا تعنى فى حقيقتها إلا أنها مقدمات لأخطار تهدد الأمن القومى سواء فى الداخل الذى ثار قبل وقت قريب يطالب بالعيش والعدالة الاجتماعية ضمن 3 مطالب للثورة، ويقول رجال السياسة والخبراء قبل العامة إن حكومات الثورة لم تسجل نجاحات تذكر فى تحقيق المطلبين حتى الآن.
أما خطورة الأزمة بالنسبة للخارج فتتمثل فى أن الخارج المناوئ للإصلاح الحقيقى لم يتبق له إلا الاقتصاد يراهن عليه كأهم ورقة ضغط وعامل يمكن أن يستغله فى تنفيذ مخططاته فى الداخل المصرى.
(2)
تجليات الأزمة الاقتصادية المصرية تتمثل فى عجز التدفقات النقدية وتقريبًا للصورة الذهنية نضرب المثل الآتى:
رب أسرة يبلغ دخله الشهرى ألف جنيه ينفقها على أسرته فتكفيهم بالكاد وربما يحتاج رب الأسرة إلى مبالغ قليلة إضافية يحصل عليها بالاستدانة (قروض) أو من خلال مساعدات من الأهل والأقارب، وفجأة يحدث طارئ فينخفض دخل هذا العائل المسئول إلى النصف تقريبًا وهو لديه التزامات لا تتمثل فى توفير الطعام فقط لأسرته ومن يعولهم ولكن لديه أقساط أجهزة كهربائية وسيارة وأقساط وفوائد وأصل قرض كان قد حصل عليه وأقساط جمعية.. كيف يتصرف فى هذه الالتزامات ؟! وبأى وجه من وجوه الإنفاق يضحى أو يؤجل؟! هل يقلل فى بند الطعام وهو بالكاد كان يوفر الضروريات المطلوبة لأسرته من قمح ودقيق وزيت وسكر ؟! أم يمتنع عن سداد فواتير الخدمات فيتهدد بيته بانقطاع التيار الكهربائى والماء؟! أم يتوقف عن سداد أقساط أصل القرض الذى استدانه وفوائده ؟!
عند الخيار الأخير تحديدًا يذكّرنا الخبراء أن دولة مثل اليونان دخلت فى أزمة كبيرة عندما عجزت عن تسديد أقساط ديونها السيادية (طبعا بالفوائد) ابتداء من عام 2009 بعد أن أثقلت نفسها بالديون ومع هذا المثل تحديدًا لابد أن نشعر بالقلق عندما نعرف أن احتياطات مصر من العملة الأجنبية يبلغ الآن 15 مليار دولار وهو مبلغ يدور حول الحد الأدنى والحرج، ولايكفى إلا لتغطية تكاليف استيراد القمح والوقود والمواد الغذائية الضرورية التى نحتاجها لمدة 3 أشهر.. ما العمل إذن؟!
(3)
وفى الخريطة التى ترسمها دوائر الغرب الرأسمالى – المهتمة بشأننا – للخروج (المؤقت) من الأزمة يتم سد كل المنافذ تقريبًا إلا منفذ واحد، وحتى هذا المنفذ تجعل هذه الدوائر بابه لا مفتوحًا ولا مغلقًا (مواربًا) لا يفتح إلا بشروط وهو باب اللجوء لمؤسسات الغرب المالية صندوق النقد والبنك الدولى، وعلى الرغم من الإشارات التى تأتينا عبر تقاريرهم الإعلامية تحمل تحذيرا من أن إجراء تغييرات جوهرية فى خريطة الدعم قد يترتب عليه قلاقل أو إضرابات داخلية إلا أن نفس التقارير تقدم هذه التغييرات كإجراءات ضرورية وإصلاحات هيكلية تحرر الاقتصاد المصرى من القيود التى تكبله وتمنحه ثقة المؤسسات الاقتصادية سالفة الذكر (!!)
والمتابع لابد أن يكتشف أن هذه التقارير تريد أن تأخذنا إلى نفس الطريق القديم، طريق 25 يناير 2011 الذى أفضى بالشعب فى النهاية إلى الخروج للاحتجاج على النظام والحكومة فى الشوارع .. أقصد طريق إعادة الهيكلة الرأسمالية للاقتصاد المصرى حسب رؤية أصحاب المصلحة الرأسماليين أنفسهم.
(4)
نعود إلى حكومة الببلاوى أسوأ الحكومات تعاملا مع ملف الاقتصاد فى الفترة الانتقالية الثانية، فى أعقاب ثورة 30 يونيو، وأقول إن هذه الحكومة ضيعت فرصة كبيرة تمثلت فى التدفقات المالية التى منحها العرب لمصر عقب الإطاحة بالإخوان حيث تلقت مصر مبالغ مساعدات من المملكة السعودية والإمارات زادت على العشرين مليار دولار بالإضافة إلى فك وديعة حرب تحرير الكويت والحصول منها على 8.8 مليار أخرى إضافية، وهذه المبالغ التى لم يكن من السهل أن تتوفر فى الظروف المصرية لولا عناية الله وكرم الأشقاء بعثرتها حكومة الببلاوى برعونة فى خطة قيل إنها لتحفيز الاقتصاد من خلال زيادة الإنفاق فكانوا مثل المفلس الذى أتاه مبلغًا من المال فذهب يشترى به حاجات ليست بضرورية من البقال لينفّعه بدلا من أن يسدد له جزءًا من الدين الذى عليه، أو يستثمره بشكل مخطط ليساعده على الخروج من أزمته.
ولم نر من مشروعات حقيقية للتنمية فى عهد الببلاوى لكن رأينا «بوابير» رصف الشوارع وقد انتشرت تفرش الملايين وتتصاعد مع بخار الأسفلت الساخن وكأن مصر كانت تنتظر من حكومة الثورة الخامسة أن تحقق لها مطلب الشعب فى رصف الشوارع ..المرصوفة بالأساس.
وحمل الببلاوى عصاه ورحل، وجاءت حكومة محلب ورأينا رئيسها منذ اليوم الأول لتوليه المسئولية يجوب الشوارع وينزل إلى مواقع العمل يستحث الجميع على الإنجاز وهو أسلوبه فى العمل الذى يناسب طبيعة عمله السابقة، واستبشرنا خيرًا بهمة الرجل، لكن من الواضح أن المسألة تحتاج لما هو أكثر من الجهد العضلى فحتى اللحظة لم نر إنجازًا نتوقف أمامه فى خطة إصلاح عامة ذات مغزى تتعلق بالاقتصاد، اللهم إلا فى هذا الجانب التشريعى الذى هرولت الحكومة بمعاونة مؤسسات أخرى فى الدولة لإنجازه فى الأسابيع الأخيرة قبل انتقال السلطة إلى الرئيس المنتخب ، وفى هذا الصدد تم إنجاز عدد من التشريعات القانونية المالية والاقتصادية.. ففى شأن التشريعات المالية صدرت قوانين التأجير التمويلى، والتمويل متناهى الصغر وشركات الرعاية الطبية (وهو قانون مؤجل منذ عهد الرئيس مبارك وفيه نظر) وقانون البورصة بعد إجراء التعديلات اللازمة عليه.
وفى المجال الاقتصادى تم تعديل وإصدار قوانين الأرباح الرأسمالية (البورصة) والضرائب العقارية والضرائب على الدخل، وصدرت أيضًا قوانين فى مجال الإسكان أهمها قانون الإسكان الاجتماعي الذى يحقق – على الأقل نظريًا – شيئًا من العدالة الاجتماعية فيما يخص حق السكن للمواطن..
ومازال الملف ثقيلًا وملغمًا والكلام فيه يحتاج إلى تفصيلات أخرى سوف تدور بين الرئيس عبدالفتاح السيسى والوزارة السابعة التى سوف تحلف أمامه اليمين خلال أيام … فانتظرونا.