عاطف عبد الغني يكتب الدستور ..وقراءة العالم بالمقلوب !
بقلم عاطف عبد الغني
لماذا الدستور الآن؟! ولماذا اكتسبت واجتذبت هذه الوثيقة هذا الاهتمام خاصة بعد ثورة 25 يناير 2011؟ ولماذا عادت الأضواء تسلط على هذه الوثيقة القانونية التعاقدية بعد اسقاط حكم الإخوان وإسقاط دستورهم؟!.
الإجابة ببساطة لأن هذه الوثيقة ترسم خطوط المستقبل الذى نذهب إليه. ولأنها تشكل ملامح المجتمع وعلاقاته وتفاعلاته فى هذا المجتمع المشتاق إلى التغيير ، والدستور هو الوثيقة التى سوف تحول هذه الأشواق إلى واقع وثقافة وقيم سوف تترسخ تلقائيًا من خلال الممارسة المجتمعية الناتجة عن القوانين التى تدير حركة المجتمع ، وهذه القوانين تخرج بالأساس من صلب الدستور ونصوصه.
ولأن الدستور هو فى النهاية إنتاج بشرى يجوز عليه الزيادة والنقصان ويجوز عليه النقد وهو مازال مشروعا جنينيا فلابد أن نتعامل معه بدون حساسية وأن نقول ماله وما عليه وحتى نقبل نتيجة الاستفتاء عليه المقررة فى شهر يناير 2014 مطمئنين. (1)
من رؤية الخارج أبدأ، وآخر الأخبار التى وصلتنا بصدد مشروع الدستور هو تلك الانتقادات التى وجهتها منظمة العفو الدولية «أمنيستى» لمشروع الدستور، حيث رأت أن هذا المشروع يمنح الجيش «المصرى» قدرًا كبيرًا من الاستقلالية، وانتقدت العفو الدولية المواد التى تسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وانتقدت أيضًا الحكم المتعلق بقصر حرية العقيدة على الديانات السماوية أو ما وصفته ب «تجاهل الدستور حق ديانات أخرى مثل البهائية» وزادت على ما سبق بتجاهل حقوق الجنسيات الأجنبية فى العمل الإعلامى بحرية، وتأسيس منظمات وقصر هذه الحقوق على المصريين ما يعد خرقًا لمبدأ عدم التمييز كما جاء فى بيان المنظمة (!!).
ومثل هذه الانتقادات الصادرة عن مثل تلك المنظمة تدفعنا دفعا لتأييد مشروع الدستور كلية دون التعرض لتفاصيله، فى غمرة الانشغال بالرد على هذه الهجمات الخارجية ورفض تدخل مثل هذه المنظمات فى شئوننا الداخلية بهذه الفجاجة التى تعكس الدور الذى رتبته مؤسسات العولمة لنفسها فى إدارة كوكب الأرض ونزوعها الفعال لإدخال دول الجنوب والعالم الثالث وما فى حكمهما إلى حظيرتها وتنميطها بعد تحويلها إلى كيانات تابعة تنفذ السياسات المرسومة لها فى أروقة الرأسمالية والصهيونية العالمية فإذا ما وافقتنى على الحكم السابق فلابد سوف توافقنى على أن ديباجة مشروع الدستور المطروحة الآن على المجتمع كانت حالمة أكثر من اللازم عندما نصت على أن العالم الآن يوشك أن يطوى الصفحات الأخيرة فى العصر الذى مزقته الصراعات بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب واشتعلت فيه النزاعات والحروب بين الطبقات والشعوب..
وافترضت هذه الديباجة أيضًا – كما نصت – أن الإنسانية تعيش عصر الرشد وتمنت أن تنتقل الإنسانية من هذا العصر الرشيد الذى نعيشه إلى عصر الحكمة..
وبالله عليكم كيف يمكن أن أقبل هذا الحكم وأنا أرى فعل طغاة الإنسانية الرشيدة فى بلادى وفى شعبى ودور القوى العظمى فى عصر الإنسانية الرشيدة فى مخططات الخراب والهدم والتدمير التى تستهدف وطنى وتلحق بالأوطان المجاورة؟ وكيف أقبل أن تكون الإنسانية بالغة لرشدها وأنا أرى حضاراتها العظمى تعود بالإنسان إلى مدارج طفولته القيمية الأولى وعصر الجهالة الدينية؟ كيف هذا وأنا أرى العالم يحكمه شياطين الإنس الذين يملكون مقادير المليارات من البشر حين يتحكمون فى أقواتهم وأرزاقهم وينهبون ثرواتهم نهبًا منظمًا من خلال شركات «الملتى ناشيونال» و«الملتى إنتربرايز» تساندها مؤسسات أممية تديرها عقول الرأسمالية العالمية والصهيونية ولا نملك إزاء إرادتها إلا المقاومة التى تتكسر يومًا بعد يوم بينما المنظومة سائرة بنا إلى الهاوية.
(2)
ومعرفة معلومة أثيرت بعد ثورة يناير 2011 تشير إلى أن جورج سورس الراعى الأول للمخططات السوداء فى الربيع العربى كان يسعى بإلحاح إلى إخراج مشروع دستور تفصيل أو كما قيل إنه موَّل بالفعل منظمة من منظمات المجتمع المدنى لكتابة هذا الدستور، مثل هذه المعلومة لابد أن نتوقف عندها ونسأل: ماذا أراد «سورس» أن يضعه فى الدستور المصرى.. والإجابة تأتينا عبر انتقادات منظمة العفو الدولية المعلنة «وما خفى كان أعظم»، أما الذين يوافقون سورس فى أفكاره وتوجهاته من الداخل المصرى ويتابعون أعماله فى «مجموعة الأزمات الدولية» ويترجمون مخرجات هذه المنظمة والمنظمات الأخرى المشابهة ويرون فى تحقيق هذه المخرجات على أرض الواقع انتصارا للإنسانية فهم الذين يقرأون العالم بالمقلوب ، وقد سعى هؤلاء فى مصر فيما قبل وبعد الربيع العربى لأخذ مصر فى الاتجاه الذى يريده سورس وأعوانه وتريده مؤسسات العولمة وأفكار هؤلاء المعنيين فى التغيير لا تختلف كثيرا عن أفكار الشيوعيين الجدد المعروفين ب «الثوريين الاشتراكيين» فكلاهما صادر عن نبع واحد ومخطط هؤلاء وأولئك الآن فى مصر يهدف بالأساس إلى هدم الدولة لإعادة صياغتها أو إعادة تركيبها على الهوى والمزاج الأممى الرأسمالى أو الشيوعى.. وهذا التغيير يستلزم بالضرورة الآن تفكيك مؤسسات الدولة والجيش على رأس هذه المؤسسات فى حالتنا المصرية.
(3)
والمنظّرون أى الذين يضعون المخططات لمشروع العولمة يرون أن الجيش المصرى وقياداته يعطلان تنفيذ مخططاتهم، الرامى منها لمشاريع التقسيم والتفتيت لمصر والدول العربية أو الرامى منها لترسيخ لعبة تداول السلطة على الطريقة الغربية وأهم ما فى هذه اللعبة السيطرة على مخرجات صناديق الانتخابات.. ونحن نردد كثيرا الآن أن الانتخابات غالبا لا تأتى بالأفضل ولكنها تأتى بمن يجيد إدارة هذه اللعبة والتحكم فيها وأكبر مثال على هذا ما يفعله اللوبى اليهودى فى الغرب وفى أمريكا تحديدا ، فهذا اللوبى لا يتحكم فقط فى الانتخابات ولكنه يربى الكوادر والنخب منذ نعومة أظفارها على قيم وأفكار تصب فى النهاية لصالح مشروعه الصهيونى ويرعى هذه الكوادر حتى يصل بها إلى مراكز إتخاذ القرار، ولأننا نقرأ العالم بالمقلوب فالبعض يرى فى القيم التى تخدّم على المشروع الصهيونى صلاح الإنسانية ورشدها (!!)
(4)
ومنظمة العفو الدولية كانت تريد من الدستور أن يعترف بالبهائيين ويقر حقوقًا لهم.. والذى لا يعرف أن هذه الطائفة أو الفئة كانت لها معابد وكان هناك اعتراف بها أقرته المحاكم الأجنبية إبان الاحتلال الإنجليزى لمصر وظل هذا الأمر إلى أن صدرت أحكام قضائية بإغلاق محافلها ومنع التبشير بها فى مصر إبان نظام الرئيس عبد الناصر ليس لسبب دينى ولكن لأسباب تتعلق بالأمن القومى المصرى فى المقام الأول.. وقوى العولمة تطرح البهائية دينًًا جديدًا من الأديان التى ترعاها العولمة، وهى حين تفعل ذلك فهى تضحك على الذقون وتستغفل العقول، تدعونا للسلام وترسل لنا جيوشها لتقتلنا، والبهائية تضرب الإسلام والمسيحية وتعمل على تفكيكهما لأنهما ديانتان تقاومان الصهيونية وتدعوان للجهاد ضدها وضد الاستغلال الإنسانى وتمسيخ الفطرة وإفساد الأرض.. أما البهائية فتدعو لوحدة الأديان وللسلام العالمى.. يا سلام!