عاطف عبد الغني يكتب..حان وقت الهجوم !

بقلم عاطف عبد الغني

لا أتمنى ولا أرغب، ولا أعتقد أن من يريد الخير لهذا الوطن يتمنى أو يرغب فى أن يتسلل الملل والركود إلى الحياة السياسية المصرية بل على العكس نريدها حية تنمو فى مسار طبيعى، وتستفيد من تراكم الخبرة فىتصحيح مسارها بعد أن تتخلص من أهم وأخطر آفاتها التى أفسدتها وأفسدت على المصريين معايشهم فى السنوات التى تلت ثورة يناير 2011 التى تحولت فيها ممارسة السياسة إلى معركة لا تقبل الاختلاف والتعددية ولاتعترف إلا بالإقصاء ومحاربة الخصوم حتى القضاء عليهم وإخراجهم تمامًا من الحياة السياسية أو الحياة الحقيقية. (1)
لم تسفر الانتخابات الرئاسية فقط عن فوز السيسى الكاسح ولكنها أسفرت أيضًا عن تأكيد سقوط الرئيس السابق مرسى وأهله وعشيرته.. وهناك العديد من الإشارات الدالة على هذا المعنى.. منها ما رأيته بنفسى حين توجهت فى اليوم الأول من الانتخابات إلى حيث سأدلى بصوتى وهو مقر انتخابى جديد علىّ يقع فى «كفر غطاطى» التابعة لحى الهرم والقريبة من «كرداسة» و «ناهيا» وهما معقلان مشهوران من معاقل الإخوان، وفى طريق الوصول إلى مبنى المدرسة الإعدادية التى تحوى اللجنة الانتخابية كان علىّ أن أترك سيارتى وأترجل لمسافة تقترب من المائتى متر بين مبان عشوائية تتخللها زراعات لا تستطيع أن تطلق عليها حقول،هذه هى طبيعة البلدة التى تقع فى المساحة ما بين القرية والمدينة.
وقريب من اللجنة لفت نظرى عدد من الصبيان «أولاد وبنات» يزيدون على العشرين وقليل من شبان أكبر منهم فى العمر يرقصون فى مرح على أنغام صادرة عن «دى جى» ومطرب يصدح بالنشيد الاحتفالى الأشهر فى الشارع المصرى الآن : «بشرة خير» وبعد أن أنجزت المهمة التى أنا ذاهب إليها وفى طريق العودة رأيت نفس الصبية – وقد سكتت أصوات «ال دى جى» – يرفعون عقيرتهم بحماس فى كلمات منغمة عرفها أيضا الشارع المصرى فى مثل هذه الأيام من العام الماضى فيقولون: «انزل ياسيسى.. مرسى مش رئيسى» فضحكت وأنا أسأل نفسى ما الذى استدعى هذا الآن؟!
ومع إعلانات نتائج الانتخابات التى احتوت على أعداد ليست قليلة من الأصوات الباطلة تذكرت هتاف الصبية وأدركت أن الجماعة مازالت حاضرة فى قلب الحدث بشكل أو بآخر، وفهمت أن أغلب أصحاب الأصوات الباطلة تعمدوا إبطال أصواتهم كنوع من الاحتجاج سوف يتم الإعلان الرسمى عنه فى نتيجة الانتخابات.
(2)
فى الديمقراطيات الناضجة الانتخابات ما هى إلا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، والوصول إلى السلطة ليس هدفا نهائيا ولكنه أيضًا وسيلة لتنفيذ برامج ورؤى يتبناها الشخص أو المجموعة أو الحزب الذى يصل إلى السلطة، وتأسيسا على ما سبق وسعيا للنضج الديموقراطى المنشود فلا ينبغى أن يكون نجاح المرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى والوصول إلى كرسى الرئاسة هو الهدف الذى يبتغيه الرجل والذين اختاروه، وعليه وعليهم أن يتجاوزا سريعًا نشوة وفرحة اجتياز المرحلة بجدارة ليلتفتا إلى ما هو واجب ولازم بعدها، ولاحظ هنا أننى قلت السيسى والذين اختاروه ولم أقل المصريين جميعًا.. لأن هناك فى المصريين من لم يختاروا السيسى، أكثر من ذلك هناك من حاربه قبل الانتخابات ومن سوف يستمر فى محاربته بعدها من باب اللجج فى الخصومة الذى يصل إلى حد الكراهية، والكراهية الشديدة عند بعضهم، ولا تسأل هؤلاء الكارهين عن مصلحة عامة أو مصلحة وطن يواجه تحديات خطرة لأن فكرة الوطن مشوهة ومشوش عليها فى أذهانهم بالأساس، ولأنهم يتصورون أنهم يمتلكون الحقيقة والحق المطلق الذى لا يدانيه باطل ولا يلوثه سلوك معوج، ويعتقدون أيضًا اعتقادا مطلقًا أنهم لا يتصارعون على سلطة فى مضمار السياسة «النجس» كما يصفونه ولكنهم يخوضون معركة الإيمان والخير ضد قوى الكفر أو على الأقل الضلال والشر.
وهم بذلك يسيئون إلى الدين وإلى الإسلام، كما أساءوا إليهما من قبل حين تحالفوا مع الشيطان الأكبر الممثل فى أمريكا وحلفائها فى الغرب لإسقاط عدوهم وعدو أمريكا المشترك قبل 25 يناير 2011 وأقصد به مبارك ونظامه.
والذين خططوا فى أمريكا والغرب لإطلاق مشروع التحول الديمقراطى فى مصر كانت معلوماتهم تؤكد أن هؤلاء الإسلاميين هم المرشحون لخلافة مبارك فى السلطة، ولم يكن هناك من بديل إلا القبول بذلك إلى حين تمرين الشعوب العربية على لعبة تداول السلطة والقبول الكامل بها كأساس للعملية الديمقراطية وفى مسار مواز العمل على إفشال تجربة الإسلاميين فى الحكم، وتحريض شعوب الدول التى يحكمونها عليهم مستغلين فى ذلك أخطائهم والقيام بتضخيمها إلى حد الجرائم والخطايا وتقوية شوكة أعدائهم من الليبراليين والعلمانيين .
وفى الحالة المصرية تجاوزت أخطاء الإخوان هذا المخطط الأمريكانى فسقطت الثمار من على الأشجار قبل أن تنضج، أقصد قبل أن يستفيد الأمريكان الاستفادة الكاملة من وجود الإخوان فى السلطة، حين فاجأ المصريون أمريكا بخروجهم على الإخوان رفضا لسلطتهم، وعزلوا رئيسهم، وعبثا حاولت أمريكا وحلفاؤها – وما زالت – استغلال الحدث الذى أربك كل الحسابات، هم لا يريدون الجيش ولا يريدون مرشحًا رئاسيا قادمًا من الجيش، ويدفعون فى هذا الاتجاه حتى لو وصل الأمر إلى حرب أهلية تسقط الدولة وتفكك أوصالها كما هى الحالة السورية أو الليبية ، إما هذا وإما أن يعودوا بالإخوان إلى الحكم، وبتعبير أدق تصل مصر إلى حالة اللا دولة والباقى بات معروفًا للجميع، والآن وقد أدركت غالبية المصريين المخطط، هل مازال الإخوان مصرين على عنادهم وهم يحسبون أنهم يحاربون خصومهم السياسيين الذين نازعوهم السلطة؟!
إذا أصروا على ذلك فلا يلومن أحد الرئيس القادم والذين معه على محاربة الإخوان.
(3)
الأوليجاركيه (حكم الأقلية) من رجال أعمال مبارك وابنه جمال الذين مثلوا الأقلية التى استولت على الثروة والسلطة قبل 25 يناير 2011 تصوروا بعد 3 يوليو 2013 أنهم يمكن أن يعودوا إلى مواقعهم على جناح الرئيس القادم لأنهم أيضًا تصوروا أن خصومهم الإخوان فقط هم الذين يبادلونهم الكراهية ولم يلتفتوا إلى كراهية أغلبية المحرومين والمعدمين من الشعب لهم.
وإذا كان بعض من رجال الأعمال هؤلاء قد تطوع بحرب الإخوان فى الفترة التى استولى الأخيرون فيها على الحكم وعملوا على إسقاطهم فهم لم يتطوعوا حبا وكرامة لله والوطن، ولكنهم فعلوا ذلك سعيا لاسترداد مواقعهم ومراكزهم السابقة على الثورة وإحياء لتحالفاتهم غير الشريفة التى جنوا من ورائها الثروات الطائلة على حساب غالبية المصريين ومن خير هذا الوطن .. وإذا كان عبد الفتاح السيسى قد طالب بعض من هؤلاء المعنيين برد جزء ضئيل من ثرواتهم التى اكتنزوها بحق و دونه، وكبر عليهم هذا فسارع البعض منهم بتغيير موقفه من السيسى والإعراض عنه، وترجم بعضهم هذا إلى موقف من الانتخابات ونكوص عن تأييد السيسى، وعلى الرغم من هذا فأنا انصحهم أن يتخلصوا سريعًا من أحلام العودة إلى الفساد وأن يتصرفوا بذكاء رجال الأعمال فى الغرب «الذى يقدسونه».. وفيه رجال الأعمال يربحون ويبذلون من أموالهم ما يدرأ عنهم حقد المجتمع وكراهيته وتعنت الحكومات معهم ويسبغ عليهم صورة الرأسمالى الوطنى.. وليس الأوليجاركية الخائنة لوطنيتها.
(4)
أعتقد أن ما سبق يمثل بعض تحديات ومعارك الداخل للرئيس الثامن، ولو أنى أرى أن التحدى الخارجى أدق وأخطر ولا يحتمل أن يتخندق الرئيس فى موقع الدفاع بل عليه أن يبادر بالهجوم عملًا بقاعدة «الهجوم خير وسيلة للدفاع» على أن يكون هجوما محسوبا ومشروطا بالدراسة والتخطيط، وأن يكون بشكل خاطف وسريع.. وصحيح أننا لا نمتلك الإمكانيات المادية والتقنية التى نستطيع أن نخترق بها حكومات ومجتمعات الخارج التى تصدر لنا دعاياتها وتخترق مجتمعاتنا لكننا على الأقل نستطيع أن نقايضهم على مصالحهم فى المنطقة وأن نمسكهم من «خناقهم» والذى تمثله علاقتنا مع إسرائيل، ونملك أيضًا مراوغة أعداء الخارج فى رقعة دولية تتسع جغرافيتها ويعاد تشكيلها لخلق أقطاب أخرى دولية غير أمريكا.

Exit mobile version