عاطف عبد الغني يكتب ..ثورات الشتاء والصيف!

بقلم عاطف عبد الغني

لا أعتقد أن أحد من خبراء علم النفس أو علم الاجتماع أخضع ثورات المصريين وعلاقتها بحالتهم المزاجية المرتبطة بالمناخ للدراسة والتحليل..
وكنت أظن أن للصيف أثرا كبيرا فى تحريك ثائرة المصريين حيث قامت ثورتى 23 يوليو 1952 فى «عز الحر» – كما يقولون – واندفعت الجماهير (الغاضبة على نظام حكم الإخوان) إلى الشوارع العام الماضى بداية من نهار 30 يونيو فى «عز الحر» أيضا، لذلك تصورت أن ثورات المصريين مرتبطة بفصل الصيف لكن سقطت هذه النظرية سريعا عندما تذكرت الثورة التى خلعت مبارك كانت فى شهر يناير، ولما عدت إلى التاريخ الغريب عرفت أن ثورة 19 تفجرت فى شهر مارس، وإن انتفاضة عام 1977 الشعبية هبت فى شهر يناير. (1)
ثورات المصريين فى تاريخهم الحديث إذن لم تقتصر على فصل من فصول العام، فقد توزعت على فصول العام، وإن المناخ بمعنى الطقس ليس له علاقة مباشرة بالأمر، أما الذى له علاقة فهو،المناخ العام بمعنى أحوال البلاد والعباد والأنظمة فى علاقتها بالشعوب، هذا هو الذى يؤثر فى الأفكار والتوجهات ويهدىء مشاعر الناس أو يصيبها بالإلتهاب والتفجر ويدفعهم للتعبير الثورى عن مشاعرهم الغاضبة.
وبمعدل متكرر يبلغ ثلث القرن تقريبًا كان المصريون ينتفضون فى هبات شعبية يطلق عليها أحيانًا ثورات، ويمكنك أن تكتشف تواتر هذا المعدل منذ الثورة العرابية التى انتهت بالاحتلال الانجليزى لمصر عام 1882 وحتى 30 يونيو 2013، وقد تزيد أو تقل السنوات قليلًا عن ثلث القرن لكن ترتيب الهبات الكبرى فى حياة المصريين خلال القرن ونصف القرن المنقضى يشير إلى خمس ثورات وانتفاضات كبرى هى على الترتيب ثورات عرابى ثم ثورة 1919 فثورة 1952 ثم انتفاضة 1977 فثورة 25 يناير 2011 ويضم لها البعض ما حدث فى 30 يونيو من العام الماضى.
.. وعلى الرغم من أن هذه الثورات والهبات كانت دائما مثار فخر وإعتزاز للمصريين ويندرج بعضها فى عداد المناسبات الوطنية التى نستعيدها ونحتفل بذكراها رسميا وشعبيا حين تحل كل عام، إلا أن هناك حقيقة لا يجب أن تغيب عن الأذهان وهى أنه هناك تضحيات هائلة تبذل قربانا على مذبح هذه الثورات، وهناك دماء ثوار أبرياء تسيل وأرواح تزهق وممتلكات عامة وخاصة تدمر، فهذه الثوارات ليست مانراه فى مشاهدها بعد الختامية، وهى بالتأكيد ليست دراما تمثيلية، ولكنها بالحقيقة معارك وحروب بين شعب يقع عليه ظلم واضطهاد، وسلطة غاشمة، أو نظام فاسد يرتكب فعل الظلم والاضطهاد حين يشيع هذا الفعل ويضجر به الناس فيبحثون عن الخلاص حتى ولو كان الثمن حياتهم ذاتها.
وفى مذكرات جمال عبد الناصر أن المظاهرة الأولى التى اشترك فيها وقد كان لايزال فى سنوات الصبا الأولى جاء: «كنت أعبر ميدان المنشية فى الإسكندرية حين وجدت اشتباكًا بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات البوليس، ولم أتردد فى تقرير موقفى فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أى شىء عن السبب الذى كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أننى فى غير حاجة إلى سؤال، لقد رأيت أفرادًا من الجماهير فى صدام مع السلطة، واتخذت موقفى دون تردد فى الجانب المعادى للسلطة».
وقد يفسر الأمر أن عبد الناصر كان ثوريًا بطبعه لكنه لم يكن لينضم للثائرين إذا لم تصادفه المظاهرة..هذا ما كان يحدث فى الماضى ..فعل المصادفة، أما الآن فوسائل التواصل وإعلام الفضائيات تصنع المظاهرات وتوصلها معلبة أحيانا إلى البيوت والمنازل ولكم ولنا فى الجزيرة المثل السيىء.
(2)
ومن الملاحظات المهمة أيضا فيما أكتب عنه هو أن ثورات المصريين فى الحقب الزمنية الحديثة تحولت من فعل استثناء فى حياتهم إلى ما يشبه الفاعدة أو الأصل، فهبات المصريين كثيرة وأسبابها المباشرة أيضًا كثيرة وعديدة.
والملاحظة الثانية أنه فى كل هذه الثورات والهبات – بلا استثناء – التى تحدثت عنها بداية من ثورة عرابى وحتى 30 يونيو 2013 كان هناك بعدًا خارجيًا فى المسألة، يتعلق بأغراض ومصالح أعداء مصر، وأن هذا البعد أثر بشكل مباشر أو غير مباشر فى هذه الثورات إما دافعا إليها أو محاولا ركوبها واستغلالها لتحقيق مصالح هؤلاء الأعداء.
(3)
أما الفساد السياسى للأنظمة والحياة السياسية برمتها فقد كان دائمًا هو الثغرة التى يتسلل منها التدخل الأجنبى لبلادنا، وكانت تتفجر الثوارات دائما مع زيادة هذا التدخل إلى الدرجة التى يفرض فيها العنصر الأجنبى شروطه على الدولة المصرية ممثلة فى النظام الحاكم، وإذا أجرينا دراسة حالة عن الثورات المصرية خلال الحقب التى نتحدث عنها سوف نتأكد أن هذا حدث مع نظام الخديو توفيق الذى قامت عليه الثورة العرابية وثورة 19 حين تحكم الإنجليز فى السرايا والقصر وقل نفس الأمر عن ثورة 1952وصولا إلى ثورة 25 يناير التى قامت على نظام مبارك الذى ورث عن نظام السادات عقيدة أن الغرب الأمريكى يملك 99% من أوراق اللعبة، وربما كان السادات الذى قال هذه العبارة وأطلق هذا الحكم يقصد اللعبة السياسية أو يقصد إدارة الصراع العربى – الإسرائيلى وتعامل مع المريكان على هذا الأساس، للوصول من خلالهم إلى عقد اتفاقية للسلام مع الإسرائيليين، أما مبارك فقد كان من الواضح أنه فسر الأمر بشكل خاطىء فمنح الأمريكان  نفوذا سياسيًا أكبر من سابقه فتجاوز علاقة أمريكا  مع مصر صلاحيات الحليف إلى حقوق الوصى، وظهر هذا بشكل واضح فى السنوات الأخيرة لحكم مبارك عندما مارست أمريكا ضغوطًا هائلة عليه هو ورجال نظامه، من أجل ما أسمته التغيير نحو الديموقراطية، مستغلة فى ذلك المجتمع المدنى فى الداخل المصرى، وكان مبارك يستجيب لهم إلى حد كبير لأنه هو الآخر له مصلحة لدى الأمريكاان تتعلق بقبولهم وسكوتهم على تمرير توريث السلطة لابنه، وهذا جزء من الفساد السياسى الذى ضرب رأس هرم السلطة نزولا إلى فساد آخر أنعكس على ممارسة الحكم وتداول السلطة فى الحياة السياسية المصرية وهناك قصص وحكايات عجيبة فى هذا الصدد يعرفها الجميع.
هذا هو باختصار التاريخ المعلن للثورات المصرية وفى جزء من هذا التاريخ يظهر أيضًا بوضوح صراع الجماعات المنسوبة للإسلام على السلطة والاستئثار بها وهى حكاية أخرى من فصول عديدة أحدثها ما عشناه ونعيشه منذ 25 يناير2011 وحتى اليوم.
وبعد.. يجب أن نطرح على أنفسنا سؤال : متى يستقر المجتمع المصرى وتهدأ ثوراته؟! .. والإجابة: عندما ينضج سياسيًا واجتماعيًا بما يكفى لأن يتساوى كل من يعيش على هذه الأرض فى الحقوق والواجبات.. كل الحقوق والواجبات، وكل ثورة وأنتم بخير.

Exit mobile version