أخبار عاجلةرأي وفكر

حليمة صومعي تكتب: الكلمة مسؤولية والفعل برهان

بقلم : حليمة صومعي *
في زمن تتسابق فيه الألسن وتتناحر فيه الكلمات، يغيب أحيانًا الوعي بأن اللسان قد يكون سلاحًا فتاكًا أو مفتاحًا للخير. “احرص على لسانك ولا تجعله أطول من فمك” ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي صرخة وعي تنبه إلى أن الكلمة حين تخرج لا تعود، وأن أثرها قد يتجاوز حدود قائلها ليصنع واقعًا أو يهدمه.

الفم المغلق، كما يقال، لا يترك للسان منفذًا، وهذه صورة بلاغية تختزل الحكمة كلها: أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام، وأحكم من الشعارات الفارغة التي تُرفع دون أن يرافقها الفعل. فالمجتمعات لا تُبنى بالأقوال المنمقة، ولا بالوعود الفضفاضة، بل بما يُترجم على أرض الواقع من إنجازات ملموسة.

الكلمات لا تُقاس بالأمتار ولا تُحصى بعدد الحروف، وإنما تُقاس بما تحدثه من تغيير في النفوس وما تخلّفه من أثر في المجتمع. هنا تتجلى المفارقة الصارخة بين من يكتفي بالخطابة وبين من يجعل من أفعاله خطابًا دائمًا لا يحتاج إلى تفسير.

لقد تعلّمنا من تجارب التاريخ أن الكلام غير المقترن بالعمل لا يتجاوز حدود الآذان التي تسمعه، بينما الفعل يظل محفورًا في ذاكرة الناس، شاهداً على صدق صاحبه. لذلك، فإن المسؤولية اليوم أكبر من أي وقت مضى: أن نزن كلماتنا بميزان الحكمة، وأن نُدرك أن الكلمة قد تكون وعدًا يجب الوفاء به، أو عهدًا يُحاسب عليه صاحبها.

إن الدعوة الحقيقية ليست إلى الصمت المطلق، وإنما إلى الكلام المسؤول، إلى اللسان الذي يوازي الفعل، إلى كلمة صادقة تعكس جوهرًا نقيًا، لا إلى لسان يلهث بلا أثر. فحين تتحول الأفعال إلى مرآة للكلمات، يصبح للقول معنى، وللخطاب قيمة، وللحياة وجه أكثر صدقًا وعدلاً. 
* كاتبة مغربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى