شاى رئيس الجمهورية ودخانه !

بقلم عاطف عبد الغني

الشىء الذى أنا متأكد منه هو أن رئيس الجمهورية الذى قامت عليه ثورة يناير كان أيضًا يحصل على دخانه والشاى (المغشوش) ولم يقتصر الأمر على الفاسدين من رعيته.. وتواتر أن هذا الرئيس الأسبق لم يكن يشرب أو يأكل كما نشرب أو نأكل أنا أو أنت.. وحكى لى واحد ممن سمحت له وظيفته أن يدخل محل سكن سيادته ويطلع على معيشة كلاب القصر الحارسة ويرى بأم عينيه كيف كان طعام الكلاب وشرابها ورعايتها الصحية وباقى أوجه معيشتها تخضع لمعايير صارمة فيما يتعلق بالإشراف ورقابة الجودة مالا تتوفر نسبة تذكر منه لعشرات الملايين من أفراد شعب سيادته، وهو ما نتج عنه أن ضربت أجسادهم وأكبادهم أخطر الأمراض وأعياهم الفقر عن تطبيبها، لكن هذا أمر آخر لا يجب أن ينسينى أمر الشاى والدخان وقد كانت غالبيتنا من النخبة إلى النخاع قد فسدت أجهزة المناعة فى الضمائر خاصتها فأدمنت الشاى المغشوش ولا يعد مزاجها ينضبط إلا به.. هل ترانى أغرقت فى الرمزية؟! لننزل إذن إلى أرض الواقع. (1)
فى مداخلة إذاعية جرت عصر الخميس الماضى سئلت ماذا أريد من الرئيس القادم؟! فقلت كلاما كثيرا يردده المصريون من العوام والمثقفين (عنوان البرنامج هو: ماذا يريد المثقفون من الرئيس القادم؟) لكن أهم ما قلته من وجهة نظرى هو أننى أريد أن أعرف مرتب الرئيس القادم وأن أعرف ذمته المالية وأن أطلع على إقراره عن هذه الذمة قبل وصوله إلى المنصب الرئاسى وعند خروجه منه أو انتهاء مدته فهل هذا أمر صعب؟!
لا أعتقد.. هل هذا يخالف الدستور أو القانون؟! مرة أخرى لا أعتقد.. لكن غرابته فى أن هذا أمر لم نعتاده مثل أمور كثيرة كانت تتعلق بمنصب رئيس الجمهورية لم نعتادها فى الماضى ولا نريد أن نصدق أننا يمكن أن نطلبها ونصر عليها فى المستقبل.
وفى أحدث الدساتير الذى تم الاستفتاء عليها وحاز على القبول والموافقة المجتمعية بنسبة غير مسبوقة إذا نظرنا إليها على أنها غير مزورة، فى هذا الدستور مادة كاملة تنص على أن القانون (الذى لم يصدر بعد) يحدد مرتب رئيس الجمهورية ولا يجوز أن يتقاضى أى مرتب أو مكافأة أخرى، ولا يسرى تعديل المرتب أثناء مدة الرئاسة التى تقرر فيها، ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يزاول طوال مدة توليه المنصب، بالذات أو بالواسطة مهنة حرة أو عملا تجاريا أو ماليا أو صناعيا ولا أن يشترى أو يستأجر شيئا من أموال الدولة أو أيًا من أشخاص القانون العام، أو شركات القطاع العام أو قطاع الأعمال العام، ولا أن يؤجرها أو يبيعها شيئا من أمواله، ولا أن يقايضها عليه ولا أن يبرم معها عقد التزام أو توريد أو مقاولة أو غيرها، ويتعين على رئيس الجمهورية تقديم إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب وعند تركه وفى نهاية كل عام وينشر فى الجريدة الرسمية ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يمنح نفسه أى أوسمة أو نياشين أو أنواط، وإذا تلقى بالذات أو بالواسطة هدية نقدية أو عينية، بسبب المنصب أو بمناسبته، تؤول ملكيتها إلى الخزانة العامة للدولة».
هذا نص المادة 145 من كتاب الحكم أوردتها بنصها لأننا نحتاج الآن وسوف نحتاج فى المستقبل كثيرًا أن نذاكرها ونتذكرها ونستعيدها.
(2)
والذين وضعوا الدستور من أعضاء لجنة الخمسين التى أنتجت هذه المادة بهذه الصياغة كان غالبًا يراود خيالاتهم وهم يضعون الكلمة جوار الكلمة، تلك الحكايات الخرافية للفساد الذى ضرب أطناب مصر قبل 25 يناير 2011 وبالتأكيد كانوا يعرفون خبرًا عن أنواع الدخان والشاى الذى كان يتناوله الرئيس السابق على الثورة من يد صديقه حسين سالم بالذات حين يقابله وجها لوجه فى أحد قصور إحداهما المنتشرة فى منتجعات سيناء وبعد الشاى والدخان يتسامران أو يلاعبان بعضهما.. أو بالواسطة، ومن المعروف أن الرئيس الأسبق لم يكن يمارس رياضته ولعبته المفضلة فقط مع أصفيائه من درجة حسين سالم، ولم يكن يبادر فى طلب اللعب بنفسه على الرغم من أنه كان يمتلك هذا الزمام وزمامات أخرى كثيرة (الاستثناء الوحيد فى هذا الصدد ما تناثر عن مبادرة الرئيس تجاه آل أباظة أصحاب توكيلات السيارة البيجو) وقد أغنى الرئيس دائمًا المتطوعون من الزاحفين على بطونهم إلى قصور الرئاسة ورجال الحكم يحملون القرابين لرئيس المعبد وكهنته لينالوا البركة المقدسة، وليس ببعيد عنا هدايا مؤسسة الأهرام التى لا يتناطح فيها شاتان، وفيها أن مؤسسة الأهرام كانت تقوم من مكانها المعروف فى شارع الجلاء وتتوجه إلى السيد الرئيس حيث يطيب له أن يكون فتمنحه الهدايا المليونية (نسبة إلى ثمنها) والتى هى من حُر مالها وعرق مبناها ومنشآتها لتقول له المؤسسة شكرا يا ريس يا واهبنا الوجود والديمومة.
(3)
وأنا هنا أتحدث فقط عن الفساد المالى الذى اقترن بالمنصب الرئاسى الجليل فيما قبل 25 يناير 2011.. لماذا المنصب الرئاسى؟ لأنه قمة هرم التنفيذيين فى السلطة، وطهارته لن تمثل فقط القدوة للمنخرطين وظيفيا فى هذه السلطة وجهازها ولكنها أيضًا سوف تسمح بالمطالبة وتطبيق معايير الرقابة الصارمة على هذا المنصب وسوف ينسحب الأمر إلى المطالبة بوضع وتطبيق قوانين ضابطة على دخول ومرتبات باقى العاملين فى الدولة سواء فى الحكومة أو الكوادر الخاصة، وهناك موظفون عموميون تجاوزت دخولهم من الوظيفة المليون جنيه شهريًا وقد تناقلت الصحف ومواقع التواصل قبل وبعد الثورة،أخبار عن مرتب رئيس مصلحة الضرائب الذى يزيد على المليون ونصف المليون جنيه (فى الشهر) وموظف شركة الاتصالات المصرية الذى يصل إلى مليونى جنيه، ويرتفع هذا الرقم ليصل 3 أضعافه فى حالة راتب رئيس البنك الأهلى المصرى، وفى الصحافة أعرف أنا وزملائى أن رواتب رؤساء مجالس إدارات المؤسسات تتفاوت من مؤسسة إلى أخرى حسب انتمائها لمؤسسات الجنوب أو الشمال ، والمشهور منها هو راتب رئيس مجلس إدارة مؤسسة الهدايا الرئاسية الذى كان يتجاوز بعد حساب المخصصات أرقاما تتجاوز خيالك.. وخيالى.. وفى دولة يطبل راعيها.. لا تلوم الرعية على هز الوسط.
(4)
لقد أردت والله أن أكتب عن المستقبل فوجدتنى مشدودا رغم أنفى إلى الماضى الكريه.. الذى تتسرب ذكرياته الآن – على الرغم من قربه – تحت وطأة الإعلام المضلل وخلل ذاكرتنا الذبابية وقصر نفس عزيمتنا، وما يدعو إلى العجب فى أمر هذا الشعب هو هذا الانطفاء السريع للحماس الثورى الذى هب لمحاربة فساد المسئولين بعد الثورة.. حتى وصل عدد البلاغات التى تقدم بها الأفراد لنيابة الأموال العامة خلال التسعة أشهر الأولى بعد الثورة إلى ما يزيد على 7 آلاف بلاغ وارتفع إلى أكثر من 40 ألف بلاغ وصلت للنيابة الإدارية وتتعلق كلها بقضايا فساد!
وبالطبع كان عدد غير قليل من هذه البلاغات كيدى اتهم فيه اللصوص خصومهم الشرفاء من باب تخليص الثارات أو الانتقام لكن لا ينفى هذا أن الغالب على هذه البلاغات كان يحمل حقائق لم يستطع المبلغون أن يثبتوها لأن المشكو فى حقهم أساتذة فى تستيف الأوراق وخبراء فى النهب المقنن.
وبناء عليه عندما سألنى مذيع صوت العرب عما أريده من رئيس الجمهورية القادم جاوبته: أريد أن أعرف راتبه وأزيد على ما قلته بأننى أريد أيضًا أن تتخلص مصر من ثقافة «الدخان والشاى» بكل أنواعها.

Exit mobile version