أيها الموت… من أنت؟

بقلم: فوزي عبد المسيح جندي

أيها الموت… من أنت؟

كيف استطعت أن تكون الحقيقة الوحيدة التي يعرفها الجميع، ولا يعرفها أحد؟
لماذا يعرف الإنسان يوم ميلاده، ولا يعرف اليوم الذي سيغلق فيه عينيه للمرة الأخيرة؟
لماذا نأتي إلى الحياة دون أن نسأل كيف جئنا، ونغادرها دون أن نعرف كيف سنغادر؟
ولماذا تظل واقفًا عند آخر الطريق، صامتًا، بينما نمضي نحن في الحياة وكأن الطريق لنا إلى الأبد؟
منذ أن عرف الإنسان نفسه، وأنت تسكن في آخر الحكاية.
لا أحد دعاك، ومع ذلك أنت الضيف الذي لا يخطئ العنوان.
لا أحد يعرف موعدك، ومع ذلك لا أحد يستطيع أن يفلت منك.
تأتي إلى الطفل قبل أن يفهم معنى الحياة، وإلى الشيخ بعد أن يظن أنه عرف أسرارها، وتدخل بيت الغني كما تدخل بيت الفقير، وكأنك تقول للإنسان في لحظتك الأخيرة: أمامي تسقط كل الأسماء والصفات التي قضيت عمرك تجمعها.
الغريب فيك أنك أكثر الأشياء يقينًا وأشدها غموضًا.
نعرف أنك ستأتي، لكننا لا نعرف متى.
نعرف أنك ستأخذنا، لكننا لا نعرف كيف.

نعرف أنك ستفصلنا عن أشياء أحببناها، لكننا لا نعرف أي شيء سيكون آخر شيء تراه أعيننا، ولا آخر صوت تسمعه آذاننا، ولا آخر وجه سيمر أمام أرواحنا.
ربما يكون الموت هو السؤال الوحيد الذي سيظل أكبر من الإنسان حتى اللحظة الأخيرة.
فالإنسان استطاع أن يصعد إلى السماء، وأن يغوص في أعماق البحار، وأن يخترع أجهزة تكشف ما لا تراه العين، وأن يقيس نبض القلب وحركة الجسد، لكنه لم يستطع أن يفتح الباب المغلق بين الحياة والموت ليرى ما وراءه.
ولذلك يبقى الموت سرًا.
مثل الولادة تمامًا.

لم يتذكر أحد لحظة ميلاده الأولى.
لا أحد يستطيع أن يخبرنا ماذا شعر حين خرج من رحم أمه، أو ماذا رأى في اللحظة الأولى التي فتح فيها عينيه على العالم.
وكأن الإنسان يبدأ حياته بسر، وينهيها بسر.
بين السر الأول والسر الأخير… نعيش.
يقول بعض الذين اقتربوا من الرحيل إنهم شعروا بشيء لا يشبه ما عرفوه من قبل؛ إحساس غريب، كأن الإنسان يبدأ في الانفصال تدريجيًا عن الأشياء التي أحبها.
البيت الذي عاش فيه.
الوجوه التي اعتادها.
الأماكن التي كانت جزءًا من ذاكرته.

كأن الروح تعرف شيئًا لا يعرفه الجسد.
وكأن هناك لحظة لا يراها أحد، يبدأ فيها الإنسان في توديع العالم قبل أن يعرف العالم أنه يودعه.
لكن مهما قيل عن تلك اللحظة، تظل الحقيقة ناقصة.
فمن ذاق الموت كاملًا لا يعود ليحكي لنا حكايته كاملة.
ولهذا بقيت تلك الساعة، منذ فجر التاريخ، خلف ستار لا يستطيع الإنسان أن يرفعه.
أيها الموت… لماذا يخافك الناس؟
هل لأنك النهاية؟
أم لأنك المجهول؟
أم لأنك تأخذ الإنسان من عالم يعرفه إلى عالم لا يستطيع أن يصفه؟
الغريب أن الناس لا يشعرون تجاهك الشعور نفسه.

هناك من يرتعب منك.
وهناك من ينتظرك.
وهناك من يهرب منك بكل قوته.
وهناك من يتمنى أن تأتي سريعًا عندما يصبح الألم أكبر من قدرة القلب على الاحتمال.
فكيف يمكن لشيء واحد أن يكون مرعبًا إلى هذا الحد لإنسان، وموضع انتظار لإنسان آخر؟
ربما لأن الموت ليس هو الشيء نفسه في عيون الجميع.
فالذي يحب الحياة يخاف فقدها.
والذي أنهكه الألم قد يرى في الرحيل راحة.
والذي يؤمن بالحياة الأبدية قد لا يراك نهاية، بل عبورًا.
والذي لا يعرف ما وراءك قد يراك بابًا مغلقًا لا يعرف ماذا يوجد خلفه.
أيها الموت…

أنت لا تقتل الإنسان وحده.
أحيانًا تترك وراءك أناسًا يعيشون نصف حياة.
تأخذ ابنًا، فتترك أمًا تنتظر صوته.
تأخذ أبًا، فتترك أبناءً يبحثون عن الأمان في وجه لن يعود.
تأخذ زوجًا، فتترك امرأة أمام نصف بيت ونصف ذاكرة.
تأخذ صديقًا، فتترك مقعدًا فارغًا على مائدة كانت تكتمل به.
ولهذا ربما يكون أقسى ما في الموت أنه لا يدفن شخصًا واحدًا فقط؛ بل يدفن معه أيامًا كاملة كانت تُعاش بوجوده.
فالإنسان حين يموت لا يغيب جسده فقط.
تغيب معه طريقة معينة في الضحك، وصوت معين في الكلام، وذكريات لا يستطيع أحد أن يعيدها بالصوت نفسه.
هناك أشياء لا يموت أصحابها وحدهم حين يرحلون…

بل تموت معهم تفاصيل لن تتكرر.
والأغرب منك أنك لا تعلن موعدك.
لو كنت تخبرنا قبل مجيئك بيوم، ماذا كنا سنفعل؟
ربما اتصلنا بمن خاصمناهم.
ربما اعتذرنا.
ربما أوقفنا حربًا صغيرة داخل بيتنا.
ربما جلسنا بجوار أمنا وقتًا أطول.
ربما احتضنا أبناءنا بدل أن ننشغل بالهاتف.
ربما قلنا كلمة “أحبك” التي ظللنا نخجل منها سنوات.
ربما اكتشفنا أن كثيرًا مما تشاجرنا عليه لم يكن يستحق كل هذا الغضب.
لكنّك لا تخبر أحدًا.
تترك الإنسان يعيش وكأنه يملك الغد، مع أن الغد ليس عقدًا مضمونًا في يده.
ولهذا ربما تكون قسوتك الظاهرة تحمل في داخلها حكمة خفية:
أنك لا تعطينا موعدًا، حتى نتعلم قيمة الوقت.

أيها الموت…
لماذا اسمك “الموت”؟
كلمة قصيرة جدًا، لكنها تحمل خلفها عالمًا كاملًا من الأسئلة.
حين نقول: مات، نشعر أن شيئًا انقطع.
انتهى الصوت.
توقف الجسد.
غاب الوجه.

وأُغلقت صفحة من صفحات الحياة.
لكن هل انطفأ الإنسان حقًا؟
هنا يقف العقل عند حدوده، ويبدأ الإيمان في الحديث.
وفي المسيحية، لا يُنظر إلى الموت باعتباره الكلمة الأخيرة؛ فالمسيح يقول:
«أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا»
(يوحنا 11: 25).
وهنا يتغير السؤال كله.
فإذا كان الموت ليس النهاية، يصبح السؤال الأهم ليس: متى سأموت؟
بل:

كيف أعيش قبل أن أموت؟
ربما لهذا لا نحتاج أن نعرف موعدك.
لو عرف الإنسان يوم رحيله، ربما عاش بقية أيامه يعدّها بدل أن يعيشها.
أما وأنت مخفي، فأنت تجبرنا دون أن تتكلم على أن نعيش اللحظة.
أن نحب اليوم.
أن نسامح اليوم.
أن نصل رحمًا اليوم.
أن نصالح من نستطيع مصالحتهم اليوم.
أن نقول الكلمة الجميلة قبل أن تتحول إلى كلمة متأخرة.
فأنت لا تقول لنا: “غدًا سأأتي.”

لكن وجودك يقول لنا كل يوم:
لا تؤجل الحياة.
أيها الموت…
أنت أكثر زائر لا نعرف موعده، وأكثر موعد نعرف أنه سيأتي.
تأتي أحيانًا فجأة، كأنك خرجت من خلف ستارة الزمن.
لا تستأذن.
لا تفاوض.
لا تشرح.
لا تعطي فرصة لإعادة المشهد.
تأتي في صمت…
وتأخذ الروح في صمت…
ثم تمضي، وتترك خلفك صمتًا أكبر.
وربما يكون الصمت هو أعظم ما يميزك.
فالولادة تبدأ بالبكاء.

أما الموت، فكثيرًا ما ينتهي بالصمت.
بين أول صرخة وآخر صمت، يعيش الإنسان حياته كلها.
يضحك، ويبكي، يحب، يكره، ينجح، يفشل، يجمع المال، يبحث عن المكانة، يغضب، يصالح، يحلم، ثم يكتشف في النهاية أن كل ما كان يظنه دائمًا كان عابرًا.
أيها الموت…
لا أعرف متى ستأتي.
ولا أعرف كيف ستكون ساعتك.

ولا أعرف ماذا سترى الروح عندما تعبر ذلك الباب الذي لم يعد منه أحد ليحكي لنا كل التفاصيل.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أنك تجعل للحياة معنى لأنها ليست بلا نهاية.
فالشيء الذي لا ينتهي لا نشعر بقيمته كما نشعر بقيمة الشيء الذي نخشى فقده.
ولهذا، ربما لا يكون الموت عدو الحياة كما نظن…
بل هو الظل الذي يجعلنا نرى قيمة النور.
أنت تذكرنا أن الوقت ليس ملكًا لنا.
وأن الأشخاص الذين نحبهم ليسوا معنا إلى الأبد.

وأن البيت الذي نعيش فيه، والطريق الذي نمشي فيه، واليد التي نمسكها، والوجه الذي نراه كل صباح… كلها نعم قد تأتي لحظة لا نجدها فيها.
فلا تنتظر موت أحد حتى تعرف قيمته.
ولا تنتظر الغياب حتى تقول كلمة الحب.
ولا تنتظر القبر حتى تدرك قيمة الحياة.
أيها الموت…
احتفظ بسرّك.
لا تخبرنا متى ستأتي.
ربما لو عرفنا موعدك، أفسدنا جمال الحياة بالخوف من نهايتها.
ابقَ ذلك الغريب الصامت الذي يقف في آخر الطريق.
أما نحن، فسوف نحاول أن نعيش الطريق كما ينبغي.
وإذا جئت يومًا…

فليكن خلفنا قلب أحب، ويد سامحت، ووجه تركناه مبتسمًا، وأثر طيب لم يمت برحيلنا.
لأن السؤال الحقيقي في النهاية ليس:
“متى سيأتي الموت؟”
فهو سيأتي.
السؤال الذي يستحق أن نسهر أمامه طويلًا هو:
“حين يأتي الموت… ماذا سيكون قد بقي من حياتنا؟”

وربما عندها فقط نفهم أن الموت لم يكن أكثر ما ينبغي أن نخافه…
بل أن نصل إليه،
ونكتشف أن أجمل ما كان يمكن أن نعيشه…
أجلناه إلى الغد.

Exit mobile version