أمل الأصيل تكتب: قاتل الأشجار

بقلم – أمل الأصيل:

في كل عام تحدث مذبحة للأشجار في طرقات مدينتنا… يُصاب فيها البعض ويُقتل البعض الآخر ويظل القليل منها معافىً، شاهداً على المذبحة، مترقباً لدوره في طابور موت الأشجار والذي قد يكون قريباً، أقرب من اصفرار أوراقه.

وكثيراً ما أفكر فيما يفعله قاتل الأشجار بعد أن ينتهي من قتل عدة أشجار ويعود لمنزله؟، هل يغسل يديه جيداً من دم الأشجار؟، هل يحتضن أبناءه ويعيش حياته التي اعتادها؟ هل يجلس ليُحصي كم شجرة ماتت بضربات فأسه؟… والأهم من كل هذا، هل يا تُرى يُدرك أنه ترك وراءه عصافير بلا مأوى، وأعشاش قد تهدمت، وأشجار لم يعد لها وجود، وظلاً فارق الطرقات؟

يؤلمني كثيراً عندما يُصبح القتل مهنة نتقاضى عليها أجر، ونتفانى في تأديتها على أحسن وجه… لا يعنيني إن كان المقتول له دم أو لا، له صوت أو لا، فهي في النهاية حياة تذهب بلا رجعة… ما أقساها مهنة القتل، حتى وإن كان قتلاً لا نسمع له صراخاً، ولا نرى له دماءً… قتل يحدث في هدوء دون حتى أن يلتفت له العابرين في الطريق.

كنت أراها من النافذة، تلك الشجرة التي تسكن أول الطريق… كانت كل صباح تُرسل عصفوراً من سكانها ليقول لأختها على الجانب الآخر من الطريق: (لا تخافي… فقاتل الأشجار لم يصحو من النوم بعد)… كانت أيضاً تُرسل عصافير عديدة للأشجار التي يتم قتلها لتقول لهم: (لا تحزنوا، ستصبحون أبواباً تحمي المنازل، وتوابيت تأوي الموتى، ومقاعد للمتَعبين، لا تحزنوا فأنتم مفيدون موتاً وحياة).

الشجرة التي تسكن أول الطريق… تلك الشجرة متعددة الأيدي والتي تمد كل أياديها للعابرين… تضع فوق كل يد عصفوراً وأمنية… وعندما يأتي قاتل الأشجار، تطير العصافير هاربة وتسقط الأماني مقتولة.

تلك الشجرة التي لا تعرف الانحناء، تظل شامخة في وقفتها إلى أن تنهال عليها ضربات فأس لا يرحم وقاتل لا يشعر بتأنيب الضمير.

تُرى كم قاتل للأشجار في هذه المدينة، وكم عصفور؟

Exit mobile version