
أصبح للكثيرين بمثابة البيت والنادي، الأهل والأصحاب… وأصبح للبعض بمثابة الحلم… الحلم الذي ينامون عن الواقع فيرونه ويعيشون فيه متمنيين عدم الصحيان.
الفيس بوك ليس كلمات يكتبونها على حوائط صماء… ليس صور يعلقونها على حوائط قابلة للحذف دون أن تترك أثراً لغبار وراءها… هو إحساس بمعنى ما يكتبون، وذكرى لواقع يضعونه محبوساً في صور، مجمداً داخل إطار وهمي، إطار من نقاط مجتمعة على الصور، وأخرى متفرقة في القلب.
هات يدك لآخذك في جولة سريعة نعبر فيها عدة حوائط متجاورة.
هذا حائط لمراهق علق عليه كل كلمات الحب وصور الغرام… تلك التي يُحضرها من صفحات أخرى لا يعرف فيها أحد… لا يعرف حتى أصحابها… وبجواره حائط لمراهق من نوع آخر، مراهق قد تخطى الستين من عمره، يغازل هذه ويمدح تلك، ويقطر حائطه بكلمات الحب وعبارات الوله.
وهذا حائط لأرملة غير طروب، حائط كالحرباء متغير الأحوال، متلون الكلمات… ففي يوم تشكو صاحبته الوحدة وتنشد الحب الجميل، وتبلل دموعها الحائط وما عليه من كلمات ومَن فيه من رواد.. وفي يوم آخر تصدح بالحب وتغني للحياة، وتنثر الضحكات على طول الحائط وعرضه، وعلى مرأى ومسمع من الجميع.
أما هذا الشامخ هناك، فحائط ذو ثِقل، حائط صلب… أغنى وأبهى من كل الحوائط… عليه كلمات شاعر يُحسن الكَلِم… بمجرد أن ينتهي من كتابة بعض أشعاره، تنهال على الحائط التعليقات، ويضج بالإعجاب… لو وزنا هذا الحائط لأصبح أثقل من مئات وربما آلاف الحوائط المجاورة له… حائط كهذا يستحق الوقوف أمامه طويلاً والاستمتاع بجمال وعمق ما عليه من كلمات.
نترك هذا الحائط ونتجه يساراً فنصطدم بحائط غزير الإنتاج، تكتب صاحبته عليه بمعدل أكثر مما يُقرأ من عليه… تُحضر النصوص من هنا وهناك ولا تنسب تلك النصوص لأصحابها… ويأتي محدثي الكلمات فيُعجبون ويعلقون ويهللون، وهم لا يدرون أنها ليست كلمات الجميلة التي تكتب… حقاً إنهم معذورون، كيف لهم أن يعرفوا… وهم ربما لم يقرءوا كتاباً كاملاً في حياتهم… أصبحوا محدثي قراءة من فوق حوائط مجهولة النسب.
وهذا حائط شاعرة حقيقية، كالضوء يجذب كل الفراشات ويصدح بأعذب النغمات… وذاك حائط هو ملك الحوائط تزينه قصائد النثر ويقف صاحبه كأمير الكلمات.
وهناك حوائط صماء، لا يتحدث أصحابها إلا قليلاً… ولا تظهر أسماءهم في مكان إلا نادراً… يكتفون بالقراءة، يكتفون بالصمت.
تختلف الحوائط والفيس بوك واحد… مقهى كبير يجمعنا حول موائد مختلفة، يقف خلف كل مائدة حائط قد يكون صلب وقد يكون هش… وتزخر الموائد بمختلف أنواع الكلمات والصور، يأكل منها البعض دون انتقاء حتى التخمة، وينتقي البعض ما يتناولونه من كلمات… فأي الحوائط تمتلك وأي الموائد هي مائدتك؟