أمـل الأصيـل تكتب: (المـــوت فقـــراً) حلقة (2-2)

هكذا بكل بساطة مات أخي وجاءنا خبر موته … لم يمنحه أحد دمعة واحدة، كنت الوحيدة التي ذرفت عليه الدمع .. وأصبح كل ما تبقى لنا منه خبر وذكرى … ذهب للبحث عن حياة أفضل فأنهت الحياة خدمته بها … لم توفر له حتى أرضاً يُدفن فيها … فأصبح وجبة طازجة للأسماك .. أكلته الأسماك التي لم يأكلها غير مرات قليلة خلال حياته القصيرة.

دائماً يذهب الموتى دون أن يستبقيهم أحد، ثم تسدل الأيام عليهم ستار النسيان … وتستمر الحياة … يزداد فيها السعداء سعادة .. ويزداد البؤساء بؤساً … وتضيق بي زوجة أخي وتُعلن كراهيتها لي … كراهيتها التي كانت مستترة، أصبحت سافرة .. لما لا أموت أنا الأخرى كأخي الأصغر فيصبح المنزل لها وحدها .. ما جدوى حياة أمثالي؟ … وبدأت تُحرض أخي على كراهيتي .. أخي الذي لم يبقى لي إياه … والرجل في أحيان كثيرة تقوده إمرأة وتتحكم فيه.

ساءت معاملتهما لي كل يوم عن الآخر .. كانا إذا تصدق عليّ أحد بنقود أو طعام يأخذانه مني .. وذات يوم أحضر لي أحد المحسنين دواء فأخذاه وباعاه لينتفعا بثمنه … حتى الدواء لم يتركوه لي .. حتى الموت لم يبخلوا عليّ به.

وفي إحدى الأيام نفذ دواء السكر الذي كان لدي فذهبت إلى الوحدة الصحية لطلب دواء جديد .. لكنهم رفضوا .. قالوا لي أنه يجب أن أنتظر عشرة أيام أخرى حتى موعد إعطائي حصتي الشهرية من الدواء … لم يكن أمامي غير أن أنتظر … لكن … هل سينتظر الموت؟
وعندما اشتد بي التعب اقترح أخي ووافقت زوجته على أن آكل كمية كبيرة من السكر حتى أٌصاب بغيبوبة سكر ويأخذاني للمستشفى الحكومي، فيعطوني الدواء مرغمين أمام غيبوبة قد تؤدي للموت.

جلست آكل السكر الذي قد يكون آخر ما آكل، لم أكن أدري قبل هذا أن السكر حلو الطعم يحمل كل هذا المرار .. كنت آكل وأنا في انتظار غيبوبة لا أدري هل سأفيق بعدها أم سألحق بأخي الأصغر … هل سيمكنهم وأنا في غيبوبتي أن يضخوا الحياة مرة أخرى في وريد أيامي أم أن الموت سيسبقهم ويقطع كل الأوردة؟

من قصة (الموت فقـراً) لأمل الأصيل – من كتاب أقلام في حضرة الوجود/الإصدار الرابع
(تمت)

Exit mobile version