أخبار عاجلةرأي وفكر

السودان . . “خطاب الوثبة” إلى الوراء

ايمن شبانهد . أيمن شبانة*
عام مضى منذ أن أعلن الرئيس السوداني عمر البشير عن إطلاق الحوار الوطني في البلاد، في خطاب “الوثبة” الشهير بقاعة الصداقة في يناير/ كانون الثاني ،2014 دون أن يشهد السودان أي اختراقات نوعية تنبئ بانفراجة مبشرة، سواء على صعيد السياسة، أو الأوضاع الاقتصادية، أو التسوية السلمية للصراع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق . بل إن الموقف ازداد سوءاً بإعلان الحزب الحاكم عن ترشح البشير للرئاسة، باعتباره اختياراً إلهياً، بدعوى أن الله هو الذي زرع نظام الإنقاذ في السلطة، ومن ثم فلا يمكن أن يأتي من يقتلعه منها، فأضحى السودان كالمرجل الذي يئن من الغليان .

كان إعلان ترشح البشير للرئاسة والإصرار على إجراء الانتخابات في إبريل/ نيسان القادم دون وجود توافق وطني بمثابة كلمة النهاية في العلاقة بين النظام ومعارضيه، وهو ما انعكس على العلاقات بينهما، والتي انتقلت من التوتر الحذر إلى المواجهة السافرة، بعد أن تيقنت المعارضة أن الحوار لم يكن إلا تكتيكاً مرحلياً، اضطر إليه النظام لكسب الوقت وشق صفوف المعارضة، والخروج من أزماته الداخلية وعزلته الدولية، وأنه لا يمكن أن يفضي إلى إصلاح حقيقي، يفسح الطريق أمام الحريات السياسية، والتسوية الشاملة للصراع في البلاد .
في هذا الإطار، توالى إعلان أحزاب المعارضة عن انسحابها من الحوار الوطني، وعدم المشاركة في اجتماعات آلية (7+7)، التي كان النظام قد اعتمدها لصياغة وتنفيذ خريطة طريق للحوار، التي تجمدت اجتماعاتها فعلياً منذ نوفمبر/ تشرين الثاني ،2014 بعد انضمام حزب الأمة وحركة الإصلاح الآن وغيرهما إلى قطار الرافضين ابتداء للحوار، وفي مقدمتهم الحزب الشيوعي والجبهة الثورية . فلم يعد على مائدة الحوار من الأحزاب الكبيرة سوى المؤتمر الشعبي، والحزب الاتحادي (الأصل) . ومن الواضح أن كليهما يبحث عن نصيب أوفر من الكعكة في المرحلة القادمة ليس أكثر .

هنا سعت المعارضة للعمل من خلال مسارات بديلة، ترمي إلى إزاحة المؤتمر الوطني وزعيمه عن السلطة، والإعداد لحوار حقيقي، يناقش قضايا الوطن كافة، ويمهد لصياغة دستور ينظم العمل السياسي خلال الفترة الانتقالية التالية لإسقاط النظام . وقد تمخض ذلك عن إصدار “إعلان باريس”، الذي تم توقيعه بين الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي، والجبهة الثورية في أغسطس ،2014 وكذا إصدار “نداء السودان”، الذي وقعته قوى الإجماع الوطني والجبهة الثورية ومنظمات المجتمع المدني في أديس أبابا في ديسمبر/ كانون الأول الماضي .

تواصلت تحركات المعارضة أيضاً لتشمل مقاطعة الانتخابات، بعد أن وصفتها بأنها لا تعدو أن تكون “رواية هزلية”، تمت حياكتها من جانب تنظيم يهيمن على السلطة منذ العام ،1989 ويصرّ على أن يحكمها بعقلية الحزب الواحد، حيث دشنت حركة الإصلاح الآن حملة لمقاطعة الانتخابات في البلاد، بغية عدم إسباغ الشرعية السياسية عليها . وهي الحملة التي أيدتها أحزاب اليمين واليسار . كما سعى ياسر عرمان الأمين العام للحركة الشعبية- قطاع الشمال إلى إقناع دول الاتحاد الأوروبي و”مركز كارتر” بعدم المشاركة في مراقبة الانتخابات أو تمويلها . فيما سخر البعض الآخر من الانتخابات، مطالباً البشير بتوفير نفقاتها المقدرة ب800 مليون جنيه، لسد احتياجات الفقراء من أبناء السودان .
أثارت هذه التحركات غضب النظام العارم، وجعلته يكشر عن أنيابه في وجه معارضيه، فبادر باعتقال فاروق أبو عيسى رئيس تحالف الإجماع الوطني، وأمين مكي ممثل منظمات المجتمع المدني في حركة “نداء السودان” . قبل أن يعود إلى مصادرة الصحف، والتوسع في الرقابة المسبقة على منشوراتها، وتضييق الخناق على النشاط الحزبي، حيث أصر النظام على تبرؤ الصادق المهدي من إعلان باريس كشرط لعودته إلى السودان وممارسة العمل السياسي . فيما دعت الأجهزة الأمنية إلى حل حزب الأمة القومي، بدعوى خرقه الدستور، بتحالفه مع الجبهة الثورية، التي تسعى إلى إسقاط النظام بالقوة المسلحة، الأمر الذي دفع الحزب إلى الإعلان عن انتهاج طريق العمل السري، بينما سارعت الأحزاب الأخرى إلى مساندته في مواجهة ضغوطات النظام .

لم يكتف النظام بذلك، حيث ضغط الحزب الحاكم لأجل إصدار حزمة من التعديلات الدستورية، التي أقرها البرلمان في يناير/ كانون الثاني الجاري، لإحكام القبضة الأمنية على هامش الحرية الضيق في البلاد، بالسماح لرئيس الدولة بتعيين وعزل حكام الولايات، بدلاً من انتخابهم، وتحويل جهاز الأمن الوطني من جهاز لجمع المعلومات إلى جهاز تنفيذي يتولى القيام بمهام أمنية خاصة لصالح النظام .

تزامن ذلك مع تهديدات صريحة صادرة عن قيادات المؤتمر الوطني ضد مقاطعي الانتخابات بالاعتقال، عبر حملة إعلامية شعواء اتهمت المعارضة السياسية والمسلحة بتدني جماهيريتها، والعمالة، والاستقواء بالخارج، وذلك في إشارة إلى تأييد الصادق المهدي لإحالة فاتو بنسودا المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لملف دارفور إلى مجلس الأمن الدولي .
كما سعى الحزب الحاكم إلى استمالة المشاعر الدينية للمواطنين، بالحديث عن رفض المعارضة للمرجعية الإسلامية لنظام الإنقاذ، ومعارضتهم تطبيق الشريعة الإسلامية، فضلاً استثمار هجوم جريدة “شارلي إيبدو” الفرنسية على النبي- عليه السلام- في حشد تأييد المواطنين للنظام، الذي نصب نفسه حامياً للإسلام، وزعيماً للحركة الإسلامية في المنطقة . فيما اكتفت هيئة علماء المسلمين بتأييد ترشيح البشير للرئاسة، وإصدار فتوى مثيرة للجدل بشأن عدم شرعية ترشح المرأة لرئاسة الدولة، بعد أن تقدمت امرأتان بأوراق ترشحهما للانتخابات الرئاسية كمنافستين للبشير .

سعى النظام أيضاً إلى مغازلة الشباب، بما يمثلونه من قاعدة انتخابية عريضة، وذلك بالتعهد بمنحهم دوراً فاعلاً في الحكومة المقبلة، فضلاً عن اللعب على وتر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية باعتماد مشروع الموازنة للعام ،2015 الذي يتضمن توسعاً في الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية والتنموية، واستمراراً للدعم على المحروقات، وخفضاً لمعدلات التضخم والبطالة، وعدم فرض ضرائب جديدة على المواطنين .

تزامن ذلك مع صدور تقرير صندوق النقد الدولي، الذي أشار إلى تحسن أداء الاقتصاد السوداني . لكن هذه المؤشرات النظرية لم تكن شافية للإجابة عن تساؤلات المواطنين بشأن تنصل البشير من تكوين مفوضية لمكافحة الفساد، وكيفية سداد أقساط الديون الخارجية، التي نمت مثل كرة الثلج من 17 مليار دولار إلى 45 مليار دولار، وكيفية التغلب على البطالة، التي بلغت 19%، وفقاً للموازنة الجديدة، بل وكيفية تنفيذ هذه الموازنة فعلياً، في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية، بما يحمله ذلك من توقعات بشأن تراجع الإيرادات الحكومية، فضلاً عن التهام الإنفاق العسكري معظم العوائد النفطية، المتناقصة ابتداء، الأمر الذي يجعل من الموازنة مجرد مشروع للمزايدة الإعلامية، وهو ما يضع النظام في موقف شديد الحرج قبيل انعقاد المؤتمر الدولي بشأن الاقتصاد السوداني في برلين في نهاية فبراير/شباط 2015 .
من جهة أخرى، تعهد النظام بالقضاء على المعارضة المسلحة نهائياً خلال العام ،2015 خاصة بعد فشل جولة المفاوضات التي استضافتها أديس أبابا في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بشأن الصراع في دارفور، والصراع مع الحركة الشعبية- قطاع الشمال، حيث سعى المتمردون إلى الربط بين مساري التفاوض في عملية سلمية واحدة، تشمل قضايا الوطن كافة، بينما أصر المؤتمر الوطني على الفصل بين المسارين، والانطلاق من وثيقة الدوحة كمرجعية للتفاوض .

لذا أعلنت الحكومة المضي قدماً في تنفيذ خطتها العسكرية المعنونة “الصيف الحاسم” من أجل كسر شوكة المتمردين . فدعمت قوات الدعم السريع الموالية لها، وتواصلت مجدداً مع موسى هلال، زعيم قبيلة المحاميد في دارفور . ونجحت في اغتيال محمد هري، القائد العسكري لقوات حركة تحرير السودان- جناح مناوي . فضلاً عن استعادة بعض المدن والمناطق الاستراتيجية التي سبق أن سيطرت عليها الحركة الشعبية- قطاع الشمال في جنوب كردفان والنيل الأزرق .

اقترن ذلك بالطبع بانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، خاصة بين أوساط المدنيين، وهو ما رصدته تقارير بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور (يوناميد)، بينما أنكرته الحكومة، مؤكدة اعتماد البعثة على مصادر غير موثوقة في كتابة تقارير مغلوطة، للاستناد إليها كذريعة لتمديد ولاية البعثة في دارفور، وهو ما يعني أن نظام الإنقاذ لم يعد يكترث بانتقادات المجتمع الدولي لسجله المتعلق بحقوق الإنسان، فلا صوت يعلو الآن على صوت المعركة التي يخوضها النظام من أجل البقاء .

في خضم هذا الجدل، لم يسأم البشير من المناورة، والتلاعب بورقة الحوار الوطني، مؤكداً أنه متاح للجميع إلا من أبى، مع الحديث عن ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، تجنباً لحدوث حالة من الفراغ الدستوري، وتأكيد شفافية الانتخابات ونزاهتها، حتى في حال إجرائها بدون رقابة دولية .

لكن قدرة البشير على الاستفادة من تشرذم المعارضة وانفصالها عن الشارع السوداني ربما لن تسعفه في مواجهة غضبة الجماهير، التي تكظم غيظها خلف صمتها، والتي ربما تجبرها أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المتردية على الانفجار في وجه الجميع، مثلما حدث من قبل في عامي 1964 و،1985 بعد أن لم يعد لديها ما تخسره، الأمر الذي ربما يؤدي إلى انزلاق البلاد نحو المجهول، ومع شديد الأسف لن يدفع الثمن سوى الشعب السوداني ذاته .

* نائب مدير مركز الدراسات السودانية جامعة القاهرة

نقلا عن الخليج الاماراتية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *